الذكاء الاصطناعي يكشف ما عجزت عنه "أجهزة الرنين" لعقود

في إنجاز علمي قد يغير مستقبل تشخيص وعلاج مرض التصلب المتعدد (MS)، نجح باحثون في تطوير تقنية تعتمد على الذكاء الاصطناعي قادرة على كشف تلف دماغي كان غير مرئي في صور الرنين المغناطيسي التقليدية، ما يتيح للأطباء رؤية أضرار المرض بدقة غير مسبوقة.

وأظهرت الدراسة، التي قادها فريق من جامعة بافالو الأمريكية ونشرتها دورية Communications Medicine، أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي تمكنت من استخراج مؤشرات مرضية كانت مخفية داخل صور الرنين المغناطيسي الروتينية، وهو ما قد يسهم في تحسين التشخيص المبكر، ومتابعة تطور المرض، وتقييم فعالية العلاجات بصورة أكثر دقة.

يعتمد الأطباء منذ سنوات على التصوير بالرنين المغناطيسي للكشف عن الأضرار التي يسببها التصلب المتعدد، إلا أن هذه الفحوص كانت تُظهر بشكل أساسي التلف الموجود في المادة البيضاء بالدماغ، بينما بقيت الإصابات التي تصيب المادة الرمادية، وخاصة قشرة الدماغ، شبه غير مرئية.

وتعد هذه الإصابات من أخطر مؤشرات المرض، إذ ترتبط بشكل مباشر بتدهور القدرات الإدراكية، وفقدان الوظائف العصبية، وزيادة الإعاقة مع مرور الوقت.

ورغم معرفة العلماء بأهميتها منذ عقود، فإن محدودية تقنيات التصوير التقليدية جعلت هذه الإصابات تمثل "منطقة عمياء" في تشخيص المرض ومتابعته.

تعلم عميق

واعتمد الباحثون على تقنيات متقدمة في التعلم العميق ومعالجة الصور الطبية، لتحليل العلاقات بين عدة صور للرنين المغناطيسي في الوقت نفسه، بدلًا من دراسة كل صورة بشكل منفصل.

ومن خلال هذه المقارنة الدقيقة، تمكن النظام من اكتشاف اختلافات طفيفة للغاية في أنسجة الدماغ لا يمكن للعين البشرية أو لبرامج التحليل التقليدية ملاحظتها.

وقال البروفيسور روبرت زيفادينوف، مدير مركز تحليل التصوير العصبي في جامعة بافالو والمشرف على الدراسة، إن القدرة على رؤية هذه الإصابات المخفية لأول مرة تمثل تقدمًا كبيرًا في فهم تطور المرض، خاصة أنها ترتبط بالتراجع الإدراكي والإعاقة لدى المرضى.

واختبر الباحثون التقنية الجديدة على بيانات تجربة سريرية واسعة النطاق لعقار أوكريليزوماب (Ocrelizumab)، شملت أكثر من 700 مريض بالتصلب المتعدد.

وبعد تطبيق خوارزميات الذكاء الاصطناعي، تمكن الفريق من اكتشاف 15 إلى 20 إصابة في قشرة الدماغ لدى كل مريض، ليصل إجمالي الإصابات المكتشفة إلى أكثر من 11 ألف إصابة، لم تكن ظاهرة في صور الرنين المغناطيسي التقليدية.

وأوضح الدكتور مايكل دواير، الباحث الرئيسي في الدراسة، أن الصور الأصلية كانت تبدو شبه طبيعية فيما يتعلق بقشرة الدماغ، لكن الذكاء الاصطناعي استطاع رصد اختلافات دقيقة بين الصور المختلفة، وكشف مناطق لم تكن معروفة سابقًا بأنها مصابة.

تجارب سريرية

ويرى الباحثون أن هذا الإنجاز قد يغير الطريقة التي يُقيّم بها الأطباء فعالية الأدوية المستخدمة لعلاج التصلب المتعدد.

فمعظم العلاجات الحالية صُممت لخفض عدد الإصابات في المادة البيضاء، في حين لم يكن بالإمكان قياس تأثيرها الحقيقي على الإصابات الموجودة في المادة الرمادية.

أما الآن، فقد يصبح بالإمكان إعادة تحليل نتائج التجارب السريرية السابقة باستخدام التقنية الجديدة، لمعرفة مدى تأثير الأدوية في إبطاء التلف الذي كان خفيًا طوال هذه السنوات.

آفاق جديدة لعلاج المرض

ويعتقد العلماء أن التقنية الجديدة لن تقتصر على تحسين التشخيص، بل قد تساهم أيضًا في تطوير علاجات أكثر دقة تستهدف الإصابات المرتبطة بتراجع الذاكرة والقدرات العقلية، وهي الأعراض التي تؤثر بشكل كبير في جودة حياة المرضى.

كما تمهد هذه النتائج الطريق أمام استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة أساسية في تحليل الصور الطبية، بما يسمح بالكشف عن مؤشرات مرضية يصعب على التقنيات التقليدية رصدها.

ويؤكد الباحثون أن هذا الاكتشاف يمثل خطوة مهمة نحو فهم أعمق للتصلب المتعدد، ويعزز فرص التدخل المبكر، ومراقبة تطور المرض، وتحسين نتائج العلاج لدى ملايين المرضى حول العالم.