منذ ظهور أخبار تفشي فيروس "هانتا" على متن السفينة السياحية (MV Hondius) في المحيط الأطلسي، بدا واضحاً أن العالم لم يتعافَ نفسياً بالكامل من صدمة جائحة "كوفيد-19"، فخلال ساعات قليلة، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى مساحة واسعة للتكهنات والمخاوف والمقارنات، فيما استعاد كثيرون مشاهد الإغلاق والحجر الصحي والقلق الجماعي التي طبعت السنوات الأولى من الجائحة، بحسب رصد أجرته "البيان" مع ترقب عالمي لوصول السفينة بإجراءات حجر وفحص مماثلة لـ"كورونا".
ورغم أن خبراء الصحة والمنظمات الدولية شددوا على أن "هانتا فيروس" يختلف جذرياً عن فيروس كورونا من حيث طبيعة الانتشار وسرعة العدوى، فإن التفاعل الرقمي كشف أن الذاكرة الجماعية العالمية لا تزال شديدة الحساسية تجاه أي تهديد وبائي جديد.
لماذا يخاف الناس بهذه السرعة؟
تفسر دراسات الإعلام الرقمي وسلوك المستخدمين هذا التفاعل بأن جائحة "كوفيد-19" غيّرت طريقة استقبال الناس للأخبار الصحية، فقبل عام 2020، كانت أخبار الأوبئة تُعامل غالباً باعتبارها أحداثاً بعيدة أو محصورة جغرافياً، لكن تجربة كورونا جعلت الجمهور أكثر ميلاً إلى افتراض السيناريو الأسوأ فور ظهور أي مرض جديد.
صحيفة (El País) الإسبانية أشارت إلى أن مجرد عودة مسؤولين صحيين للحديث عن الفيروس أعاد إلى الأذهان التصريحات الأولى التي سبقت تحول "كوفيد-19" إلى جائحة عالمية، وهو ما عزز حالة الشك والقلق لدى المتابعين.
كما أكدت تقارير إعلامية غربية أن منصات التواصل شهدت موجة من المقارنات المباشرة بين الفيروس الجديد وكورونا، إلى جانب انتشار واسع للميمز والنظريات غير الدقيقة والمعلومات المضللة.
"هانتافيروس" ليس "كوفيد-19"
ورغم الضجة الرقمية، يؤكد خبراء الأوبئة أن الفروق العلمية بين الفيروسين كبيرة للغاية.
فيروس كورونا المستجد (SARS-CoV-2) يتميز بسهولة الانتقال بين البشر عبر الرذاذ والهواء، ما سمح له بالتحول سريعاً إلى جائحة عالمية، أما "هانتا فيروس" فينتقل أساساً عبر القوارض أو مخلفاتها، وتبقى حالات انتقاله بين البشر نادرة ومحدودة للغاية، باستثناء بعض السلالات النادرة.
منظمة الصحة العالمية شددت بدورها على أن الخطر العالمي الحالي "منخفض"، وأن الوضع لا يشبه بدايات جائحة كورونا.
أرقام مواقع التواصل.. هل الخوف حقيقي؟
تكشف البيانات المتاحة أن التفاعل الرقمي مع الأوبئة أصبح مؤشراً مهماً على مستوى القلق المجتمعي.
ففي الأسابيع الأولى من انتشار أخبار كورونا مطلع عام 2020، سجلت منصة "إكس"، وفق قاعدة بيانات بحثية منشورة عبر (Zenodo)، نحو 30 ألف تغريدة أصلية مرتبطة بالفيروس خلال أول أسبوعين فقط بين 22 يناير و4 فبراير 2020، قبل أن يرتفع الرقم لاحقاً إلى أكثر من 4 ملايين تغريدة يومياً في مارس 2020 مع اتساع الأزمة عالمياً.
أما في حالة "هانتا فيروس"، فلم تصل التفاعلات بعد إلى مستويات كورونا، لكن سرعة الانتشار الرقمي كانت لافتة.
وأشارت تقارير إعلامية إلى أن منشورات مرتبطة بالفيروس حققت مئات الآلاف من التفاعلات خلال أيام قليلة، فيما تصدرت الوسوم المرتبطة به قوائم التداول في عدة دول.
ويعكس ذلك أن الخوف الحالي ليس نابعاً من خطورة الفيروس وحدها، بل من الصدمة المتبقية التي خلفتها تجربة الإغلاق العالمي والوفيات الجماعية خلال جائحة كورونا.
السفينة العالقة.. صورة تعيد للأذهان بدايات الجائحة
أحد أكثر المشاهد التي أعادت إلى الأذهان بدايات "كوفيد-19" كان بقاء السفينة السياحية في البحر وسط إجراءات الحجر والفحص وانتظار قرارات السلطات الصحية الدولية.
وقالت شركة "أوشن وايد إكسبيديشنز" في بيان أمس الجمعة إن "الاستعدادات المتعلقة بنقطة الوصول وإجراءات الحجر الصحي والفحص لجميع الركاب وخطط السفر اللاحقة لهم والطاقم المتضرر تقودها منظمات من عدد من الدول".
وأضافت الشركة أن ذلك يشمل منظمة الصحة العالمية والسلطات الهولندية وبالتعاون الوثيق مع السلطات الإسبانية.
كما أكدت تقارير دولية أن السفينة ستبقى تحت الرقابة الصحية إلى حين استكمال ترتيبات الفحص والعزل وتتبع المخالطين، وسط تنسيق بين عدة دول ومنظمات صحية.
بين القلق المشروع والتهويل الرقمي
ويرى مراقبون أن مواقع التواصل الاجتماعي باتت تلعب دوراً مزدوجاً في الأزمات الصحية، فمن جهة تساهم في نقل المعلومات بسرعة وتنبيه الجمهور، لكنها من جهة أخرى قد تتحول إلى مساحة لتضخيم المخاوف وإعادة تدوير الذعر الجماعي.
وخلال جائحة كورونا، أثبتت الدراسات أن "إكس" و"فيسبوك" كانا من أبرز ساحات انتشار المعلومات المضللة والنظريات غير الدقيقة، وهو ما يتكرر اليوم بصورة جزئية مع أخبار "هانتا فيروس".
لكن خبراء الصحة يؤكدون أن الاستجابة الحالية أكثر تنظيماً وخبرة مقارنة بعام 2020، وأن العالم أصبح يمتلك أنظمة رصد وتتبع واستجابة أسرع بكثير مما كان عليه في بداية جائحة كورونا.
