تعطيل مصنع الكوليسترول.. اكتشاف يقلب موازين علاج أمراض القلب

كشفت دراسة علمية حديثة عن مقاربة علاجية مبتكرة قد تغيّر الطريقة التقليدية في التعامل مع ارتفاع الكوليسترول، عبر استهداف آلية إنتاج جزيئات الكوليسترول في الجسم بدلاً من التركيز على تسريع التخلص منها كما هو معمول به حالياً.

ويتركّز البحث، الذي أجراه فريق من جامعة كارولينا الجنوبية الطبية ونُشر في مجلة Communications Biology، على مرض فرط كوليسترول الدم العائلي (Familial Hypercholesterolemia – FH)، وهو اضطراب وراثي شائع يؤثر على قدرة الجسم على إزالة الكوليسترول الضار (LDL) من الدم.

خلل وراثي يرفع خطر أمراض القلب

في الوضع الطبيعي، يعتمد الجسم على مستقبلات خاصة تُعرف باسم LDL receptors (LDLR) في الكبد لالتقاط جزيئات الكوليسترول منخفض الكثافة (LDL)، والتي تُوصف عادة بـ"الكوليسترول الضار"، ثم تكسيرها داخل الخلايا.

لكن في المصابين بمرض FH، تؤدي طفرات في جين LDLR إلى ضعف أو تعطّل هذه العملية، ما يؤدي إلى تراكم الكوليسترول في الدم على مدى سنوات طويلة دون أعراض واضحة، قبل أن يظهر في شكل أمراض قلبية خطيرة مثل النوبات القلبية.

وتشير التقديرات إلى أن هذا الاضطراب الوراثي يصيب نحو شخص واحد من كل 200 بالغ، ما يجعله أحد أكثر الأمراض الوراثية شيوعاً على مستوى العالم.

قيود العلاجات الحالية

تعتمد العلاجات القياسية، وعلى رأسها أدوية الستاتين، على تعزيز نشاط مستقبلات LDLR لخفض مستويات الكوليسترول، إلا أن هذه الاستراتيجية تصبح محدودة الفعالية لدى المرضى الذين يعانون من خلل شديد أو غياب كامل في هذه المستقبلات، خصوصاً من لديهم نسختان جينيتان معطوبتان.

هذا القصور دفع الباحثين إلى إعادة التفكير في الاستراتيجية العلاجية، من خلال الانتقال من "تحفيز التخلص من الكوليسترول" إلى "تقليل إنتاجه منذ البداية".

استهداف بروتين "ApoB" لتقليل تكوين LDL

ركز الفريق البحثي على بروتين يُعرف باسم أبوليبوبروتين B (Apolipoprotein B – apoB)، وهو عنصر أساسي في بناء جسيمات LDL. وبدون هذا البروتين، لا يمكن تكوين جزيئات الكوليسترول الضار بشكل سليم.

وبحسب الباحثين، فإن استهداف هذا البروتين قد يتيح خفض عدد جزيئات LDL في الدم بشكل مستقل عن مستقبلات LDLR، ما يفتح باباً علاجياً جديداً للمرضى الذين لا يستجيبون للعلاجات التقليدية.

نموذج بشري لخلايا الكبد وفحص واسع للمركبات

لاختبار هذه الفرضية، استخدم العلماء خلايا جذعية مستحثة متعددة القدرات (iPSCs)، وهي خلايا يتم إعادة برمجتها من خلايا بشرية بالغة لتتحول إلى خلايا شبيهة بخلايا الكبد في المختبر، بهدف محاكاة وظائف الكبد البشري بدقة عالية.

ومن خلال هذه المنصة، قام الفريق بفحص مكتبة كيميائية تُعرف باسم South Carolina Compound Collection (SC3) وتضم نحو 130 ألف مركب كيميائي.

وأظهرت النتائج أن مجموعة محددة من المركبات نجحت في تقليل إفراز apoB بشكل ملحوظ، بالتوازي مع انخفاض مستويات الكوليسترول والدهون الثلاثية داخل الخلايا.

وقال الباحث الرئيسي في الدراسة، الدكتور ستيفن دنكان، إن هذا النهج يعتمد على اختبار المركبات مباشرة على نموذج مرضي واقعي دون الحاجة إلى فهم آلية عملها مسبقاً، وهو ما يتيح اكتشاف علاجات فعالة بطريقة أكثر مباشرة.

اختبار على نماذج حيوانية "بشرية"

عند نقل التجارب إلى نماذج الفئران التقليدية، لم تُظهر المركبات النتائج نفسها، وهو ما أرجعه الباحثون إلى الاختلاف البيولوجي بين خلايا كبد الفئران والبشر.

وللتغلب على هذا التحدي، استخدم الفريق فئراناً معدّلة تُعرف باسم "Avatar mice"، تحتوي على خلايا كبد بشرية، ما يجعل نظامها الأيضي للكوليسترول أقرب إلى جسم الإنسان.

وفي هذه النماذج، نجحت المركبات في خفض مستويات الدهون بشكل ملحوظ، ما عزز من احتمال قابليتها للانتقال إلى الاستخدام البشري مستقبلاً.

نحو جيل جديد من علاجات الكوليسترول

يرى الباحثون أن هذا النهج قد يمثل تحولاً في تطوير الأدوية، عبر الجمع بين تقنيات الخلايا الجذعية والفحص واسع النطاق للمركبات، ما يسمح بتجربة العلاجات على أنظمة بشرية مبكرة بدلاً من الاعتماد الكامل على النماذج الحيوانية.

ويؤكد الفريق أن هذه الاستراتيجية قد تمهّد لتطوير علاجات موجهة بدقة أكبر لمرضى فرط كوليسترول الدم، خاصة أولئك الذين لا يستجيبون للعلاجات الحالية.

تحديات قادمة

رغم النتائج الواعدة، لا تزال هناك أسئلة مفتوحة حول آلية عمل المركبات على المستوى الجزيئي، ومدى سلامتها على المدى الطويل، إضافة إلى إمكانية دمجها مع علاجات خفض الكوليسترول التقليدية لتحقيق نتائج علاجية أكثر شمولاً.

وتشير بيانات متابعة منشورة لاحقاً إلى أن أحد المركبات الرائدة في الدراسة، والمعروف باسم DL-1, أثّر على 182 جيناً فقط دون تعطيل مسارات بيولوجية رئيسية، ما قد يشير إلى تأثير علاجي انتقائي وآمن نسبياً.