«حليب الصراصير».. بروتين المستقبل أم خيال علمي مقزز؟

كل بضع سنوات، يعود «حليب الصراصير» إلى الإنترنت بوصفه الطعام البروتيني القادم من المستقبل. العناوين تتكرر دائماً تقريباً: أكثر قيمة غذائية من حليب البقر، وغني بالبروتين، وقد يساعد في حل أزمة الغذاء العالمية.

لكن الحقيقة أن ما يسمى «حليب الصراصير» ليس حليباً بالمعنى التقليدي. المقصود مادة بروتينية بلورية تنتجها أنثى نوع معين من الصراصير يعرف باسم «Diploptera punctata»، وهو من الأنواع النادرة التي تلد صغارها مباشرة بدلاً من وضع البيض.

وتوضح دراسة منشورة في الاتحاد الدولي لعلم البلورات أن هذه البلورات تحتوي على بروتينات ودهون وسكريات وأحماض أمينية، وأنها تعمل كمصدر غذائي عالي الطاقة لصغار الصرصور أثناء نموهم.

لكن العلماء لم يدرسوا المادة لأنهم يريدون تحويل البشر إلى شاربي «حليب صراصير»، بل لأنهم مهتمون بفهم الكثافة الغذائية الفريدة لهذه البلورات وإمكانات البروتينات المستقبلية.

اشمئزاز فوري

المثير أن معظم الناس لا يناقشون القيمة الغذائية أصلاً؛ فهم يرفضون الفكرة فوراً على مستوى نفسي وغريزي.

مجرد الجمع بين كلمتي «حليب» و«صراصير» يخلق تناقضاً يربك الدماغ. فالحليب مرتبط في المخيلة البشرية بالنقاء والرعاية والغذاء الآمن، بينما يرتبط الصرصور بالقذارة والأماكن الرطبة والخوف من التلوث.

وهنا يتحول رد الفعل إلى شيء أعمق من الذوق الشخصي؛ يصبح رد فعل بيولوجياً تقريباً.

خوف قديم

وعلم النفس يفسر هذا جيداً. فالاشمئزاز الغذائي ليس دائماً منطقياً، بل مرتبط بالتطور البيولوجي والذاكرة الثقافية معاً.

وتشير أبحاث منشورة في دورية «كرنت بيولوجي» إلى أن الاشمئزاز تطور تاريخياً كآلية وقائية لحماية البشر من الأمراض والمواد الخطرة والمصادر المحتملة للتلوث.

بمعنى آخر، قد لا يرفض الإنسان «حليب الصراصير» لأنه ضار فعلاً، بل لأن دماغه يربط الصرصور بالخطر منذ زمن طويل.

طعام ثقافي

لكن المثير أن فكرة الطعام المقرف ليست ثابتة عالمياً.

ففي أماكن كثيرة حول العالم، تؤكل الحشرات بشكل طبيعي منذ قرون، وتعد جزءاً من النظام الغذائي التقليدي. وتوضح منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة أن أكثر من ملياري شخص حول العالم يستهلكون الحشرات ضمن أنظمتهم الغذائية المعتادة.

ومع ذلك، لا تزال مجتمعات كثيرة، خصوصاً في الغرب، تنظر إلى الحشرات بوصفها شيئاً يجب القضاء عليه لا أكله.

وهنا يظهر أن الطعام ليس مسألة تغذية فقط، بل مسألة ثقافة وهوية أيضاً.

أزمة مستقبل

وربما لهذا أصبحت قصة حليب الصراصير مثيرة إلى هذا الحد؛ لأنها تضغط على خوفين معاً: الخوف من المستقبل الغذائي، والخوف من كسر الحدود الثقافية لما نعتبره “طعاماً مقبولاً”.

فالناس قد يتقبلون فكرة اللحوم النباتية أو البروتينات البديلة، لكن الصرصور يظل يحمل رمزاً نفسياً مختلفاً تماماً.

ومع أزمات المناخ وارتفاع عدد السكان والضغط على الموارد الغذائية، بدأت البشرية تبحث عن مصادر بروتين جديدة وأكثر استدامة، حتى لو بدت غريبة اليوم.

بين العلم

علمياً، لا يوجد حتى الآن منتج تجاري واسع قائم على حليب الصراصير. فإنتاج هذه البلورات بكميات ضخمة ما يزال معقداً وغير عملي، كما أن الفكرة نفسها أقرب إلى دراسة علمية عن البروتينات الحيوية منها إلى مشروب سيظهر قريباً على رفوف المتاجر.

لكن الإنترنت يحب هذه القصة لأنها تجمع الغرابة والعلم والاشمئزاز والمستقبل في وقت واحد، وهي تركيبة مثالية للانتشار الفيروسي.

سؤال أعمق

وربما تكشف قصة حليب الصراصير شيئاً أعمق من الغذاء نفسه: الإنسان لا يأكل بالقيمة الغذائية فقط، بل بالثقافة والذاكرة والرمزية أيضاً.

فالطعام ليس وقوداً للجسد وحده، بل جزء من الهوية والانتماء وما نعتبره “طبيعياً” أو “مقبولاً”. ولهذا قد يرفض شخص مادة غذائية غنية بالبروتين فقط لأن اسمها مرتبط في ذهنه بالقذارة.

مستقبل غريب

ومع أن حليب الصراصير قد لا يصبح مشروب الإفطار القادم، فإن القصة تكشف كيف بدأت التكنولوجيا والعلم يدفعان البشر إلى إعادة التفكير في حدود الطعام نفسه.

وربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل سنشربه فعلاً؟ بل: كيف يقرر البشر أصلاً ما الذي يستحق أن يسمى طعاماً؟