في وقت تتسارع فيه المنافسة العالمية على قطاعات الاقتصاد الجديد، تواصل دولة الإمارات ترسيخ موقعها باعتبارها واحدة من أبرز الوجهات الدولية في قطاع الرعاية الصحية والسياحة العلاجية، مستفيدة من بنية تحتية طبية متقدمة، واستثمارات ضخمة، وسياسات حكومية جعلت من القطاع الصحي رافداً اقتصادياً استراتيجياً يتجاوز البعد الخدمي التقليدي.
ويأتي "يوم الإمارات الطبي" التاسع من مايو 2026 ليعكس هذا التحول، ليس فقط باعتباره مناسبة لتكريم الكوادر الطبية، بل أيضاً كمؤشر على صعود الاقتصاد الصحي الإماراتي كأحد محركات النمو والتنويع الاقتصادي.
ركيزة جديدة للاقتصاد الوطني
الاهتمام الإماراتي بالقطاع الصحي بات جزءاً من رؤية اقتصادية أوسع تهدف إلى تعزيز مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي.
وتشير بيانات وزارة الاقتصاد والسياحة إلى أن قطاع السياحة عموماً يساهم بنحو 13% من الناتج المحلي للإمارات، بإيرادات تقارب 70 مليار دولار، ويوفر أكثر من 900 ألف وظيفة، فيما باتت السياحة العلاجية أحد أسرع القطاعات نمواً ضمن هذا المشهد الاقتصادي.
الإمارات وجهة عالمية للسياحة العلاجية
التحول الذي شهدته الإمارات في القطاع الصحي لم يعد يقتصر على تقديم خدمات محلية متطورة، بل تطور إلى صناعة متكاملة تستقطب المرضى من مختلف أنحاء العالم.
وتشير تقارير متخصصة إلى أن الإمارات استقبلت أكثر من 350 ألف سائح علاجي في عام 2019، فيما تجاوز العدد في السنوات الأخيرة نصف مليون مريض سنوياً وفق تقديرات دولية، بإيرادات قاربت 3 مليارات دولار في 2023.
كما تبرز الدولة اليوم بين أفضل الوجهات الطبية عالمياً بفضل وجود أكثر من 205 منشآت صحية معتمدة دولياً من اللجنة المشتركة الدولية (JCI)، وهو الرقم الأعلى عالمياً مقارنة بعدد السكان، ما عزز ثقة المرضى القادمين من أوروبا وآسيا وأفريقيا والشرق الأوسط.
وتستحوذ دبي وحدها على نحو 60% من سوق السياحة العلاجية في الدولة، مع تركيز واضح على التجميل والعلاج الشامل، بينما أصبحت أبوظبي مركزاً إقليمياً للعلاجات التخصصية المعقدة، خاصة أمراض القلب والأورام وزراعة الأعضاء، مستفيدة من مؤسسات عالمية مثل "كليفلاند كلينك أبوظبي".
استثمارات ضخمة ونمو متسارع
الأرقام تعكس حجم الرهان الاقتصادي على القطاع. فبحسب تقديرات حديثة، بلغت قيمة سوق السياحة العلاجية في الإمارات نحو 865.8 مليون دولار في 2025، مع توقعات بارتفاعها إلى أكثر من 4.5 مليارات دولار بحلول 2034، بمعدل نمو سنوي يقترب من 20%.
وفي تقرير آخر، قُدرت الإيرادات السنوية المباشرة للقطاع في 2024 بنحو 8.5 مليارات دولار، مع استقبال ما يقارب 1.3 مليون مريض دولي سنوياً، وهو ما يعادل نحو ربع إجمالي إيرادات القطاع الصحي في الدولة.
هذا النمو لا يرتبط فقط بالعلاج، بل بمنظومة اقتصادية متكاملة تشمل الفنادق والطيران والنقل والخدمات اللوجستية والتأمين الطبي والتكنولوجيا الصحية.
وأشارت تقديرات إلى أن السائح العلاجي في الإمارات ينفق في المتوسط أكثر من 3 آلاف دولار إضافية خارج تكلفة العلاج، مع متوسط إقامة يتراوح بين 8 و10 أيام.
التكنولوجيا الطبية تقود التنافسية
واحدة من أبرز نقاط القوة الإماراتية تتمثل في الاستثمار المكثف في التكنولوجيا الطبية والذكاء الاصطناعي.
الدولة أصبحت من أوائل دول المنطقة في اعتماد الجراحات الروبوتية والتشخيص المدعوم بالذكاء الاصطناعي، فيما تشير تقارير إلى تنفيذ أكثر من 500 عملية جراحية روبوتية سنوياً بنتائج تضاهي المعايير العالمية.
كما ساهمت مبادرات مثل "دبي الصحية" و"دبي هيلث إكسبيرينس" في تبسيط رحلة المريض منذ الحجز وحتى العلاج والإقامة، ما عزز تجربة السياحة العلاجية وربطها بمنظومة الضيافة الفاخرة التي تشتهر بها الدولة.
رسالة اقتصادية وإنسانية
ورغم البعد الاقتصادي المتنامي، يبقى "يوم الإمارات الطبي" مناسبة تحمل في جوهرها رسالة إنسانية وتنموية، فالاستثمار في الكوادر الطبية والتقنيات الصحية يعكس فلسفة إماراتية تعتبر جودة الحياة والصحة العامة جزءاً من الأمن الاقتصادي والاجتماعي للدولة.
ويرى خبراء أن نجاح الإمارات في تحويل الرعاية الصحية إلى صناعة عالمية تنافسية يمثل نموذجاً فريداً في المنطقة، حيث تداخلت السياسات الصحية مع استراتيجيات السياحة والاستثمار والابتكار، لتصبح الدولة مركزاً دولياً للرعاية المتقدمة والسياحة العلاجية في آن واحد.
ومع استمرار ضخ الاستثمارات وتوسيع الشراكات العالمية، تبدو الإمارات مرشحة لتعزيز موقعها خلال السنوات المقبلة كإحدى أهم العواصم الصحية في العالم.