مرض من جبال الأنديز.. هل يتحول فيروس هانتا إلى "كورونا" جديد؟

عاد فيروس هانتا إلى واجهة الاهتمام العالمي بعد تسجيل تفشٍ مقلق على متن سفينة الرحلات البحرية MV Hondius أثناء رحلتها من الأرجنتين إلى الرأس الأخضر، ما أثار تساؤلات واسعة حول إمكانية تحوله إلى جائحة عالمية جديدة، خصوصا بعد اكتشاف سلالة "الأنديز" المعروفة بقدرتها النادرة على الانتقال بين البشر.

وأعلنت السلطات الصحية تسجيل وفاة ثلاثة أشخاص وإصابة ثمانية آخرين على متن السفينة، فيما أكدت الفحوصات المخبرية إصابة خمسة ركاب بالفيروس، بينما لا يزال مصير نحو 30 شخصا مجهولا حتى الآن.

وتواصل السلطات الدولية عمليات تعقب واسعة للركاب الذين غادروا السفينة في أربع قارات، وسط حالة استنفار صحي شملت دولا في أوروبا وآسيا والأمريكيتين والشرق الأوسط.

سلالة "الأنديز" تثير المخاوف

ورغم أن فيروس هانتا معروف منذ عقود وتُسجل بسببه مئات الآلاف من الإصابات سنويا حول العالم، فإن القلق الحالي يرتبط تحديدا بسلالة "الأنديز" التي تختلف عن معظم سلالات الفيروس الأخرى بقدرتها على الانتقال من شخص إلى آخر عبر الاتصال الوثيق والمطول.

سُمي الفيروس بهذا الاسم نسبةً لسلسلة جبال الأنديز في الأرجنتين، حيث يُحمل بواسطة القوارض البرية (خاصة الفئران ذات الذيل الطويل) التي تعيش في المناطق الريفية والغابات في تلك المنطقة.

وتنتقل معظم سلالات فيروس هانتا إلى الإنسان من خلال القوارض، خاصة عبر استنشاق غبار ملوث بلعاب أو فضلات الفئران، إلا أن انتقال العدوى بين البشر يُعد نادرا للغاية باستثناء سلالة الأنديز التي سبق أن تسببت في تفشيات محدودة داخل العائلات والمجتمعات المحلية في أمريكا الجنوبية.

ووفقا لمنظمة الصحة العالمية، فإن خطر العدوى يكون أعلى في المراحل المبكرة من المرض عندما يكون الفيروس أكثر قدرة على الانتقال.

هل العالم أمام جائحة جديدة؟

ورغم تصاعد المخاوف، يؤكد خبراء الأمراض المعدية أن الوضع الحالي لا يشير إلى بداية جائحة عالمية شبيهة بفيروس كورونا.

وقال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس إن تفشي فيروس هانتا على متن السفينة "لا يشبه المراحل الأولى من جائحة كوفيد-19"، مؤكدا أن "الخطر على بقية العالم لا يزال منخفضا في الوقت الراهن".

ويشير المتخصصون إلى أن تفشيات فيروس هانتا غالبا ما تكون محلية ومحدودة النطاق، وترتبط عادة بزيادة أعداد القوارض أو الاحتكاك المباشر بها، وليس بانتقال واسع ومستدام بين البشر كما يحدث في الفيروسات التنفسية شديدة العدوى.

كما أن الفيروس لا ينتقل بسهولة عبر الهواء في الأماكن العامة، وهو ما يقلل احتمالات تحوله إلى وباء عالمي واسع الانتشار.

انتشار دولي وحالات مشتبه بها

وبالتزامن مع تفشي العدوى على متن السفينة، بدأت عدة دول تسجيل حالات مشتبه بها أو مؤكدة مرتبطة بالفيروس.

وأعلنت الحكومة الهولندية أن نحو 40 راكبا غادروا السفينة في جزيرة سانت هيلينا قبل اكتشاف التفشي، فيما لا تزال أماكن وجود عدد منهم غير معروفة.

وفي فرنسا، تم تسجيل إصابة مؤكدة لشخص لم يكن على متن السفينة، بينما نُقل راكب سابق إلى المستشفى في سويسرا بشكل عاجل.

كما تخضع مضيفة طيران تابعة لشركة KLM للعزل الصحي في أمستردام بعد مخالطتها أحد الركاب المتوفين، خلال رحلة انطلقت من جوهانسبرغ إلى أمستردام في 25 أبريل.

وأكدت وزارة الصحة الإسبانية بدورها تسجيل حالة مشتبه بها لامرأة في مدينة أليكانتي، فيما أفادت وسائل إعلام صينية بوفاة شخص في تايبيه بتايوان نتيجة الإصابة بالفيروس.

وفي الأرجنتين، نقلت تقارير إعلامية عن وزارة الصحة تسجيل أكبر تفشٍ للفيروس منذ عشر سنوات، مع تأكيد 101 حالة إصابة خلال الموسم الوبائي 2025-2026.

أعراض خطيرة قد تؤدي إلى الوفاة

ويبدأ فيروس هانتا عادة بأعراض تشبه الإنفلونزا، مثل ارتفاع الحرارة والصداع وآلام العضلات، خاصة في الظهر والفخذين، قبل أن تتطور في بعض الحالات إلى مضاعفات خطيرة.

وفي أوروبا وآسيا، يسبب الفيروس غالبا الحمى النزفية المصحوبة بمتلازمة كلوية، التي قد تؤدي إلى فشل كلوي حاد ونزيف داخلي وانخفاض حاد في ضغط الدم.

أما في الأمريكتين، فتنتشر متلازمة فيروس هانتا الرئوية، حيث يهاجم الفيروس الجهاز التنفسي مباشرة، ما يؤدي إلى امتلاء الرئتين بالسوائل وحدوث ضيق تنفس حاد قد ينتهي بالوفاة.

وتتراوح نسبة الوفيات بحسب السلالة، إذ تكون منخفضة نسبيا في السلالات الأوروبية، لكنها قد تصل إلى 30% – 50% في بعض السلالات الأمريكية.

لا لقاح حتى الآن

ولا يتوفر حتى الآن لقاح معتمد لعلاج فيروس هانتا، فيما تعتمد الوقاية بشكل أساسي على تقليل فرص التعرض للقوارض وإفرازاتها، من خلال:

منع دخول الفئران إلى المنازل والمخازن

تخزين الطعام في حاويات مغلقة

تنظيف الأماكن المهجورة أو الرطبة باستخدام الكمامات والقفازات

تجنب استنشاق الغبار في الأماكن التي قد تكون ملوثة بفضلات القوارض

ويشدد الأطباء على ضرورة طلب الرعاية الطبية فور ظهور أعراض مقلقة بعد التواجد في بيئات يحتمل انتشار القوارض فيها، خاصة في الأرياف والمخازن والمنازل المغلقة لفترات طويلة.