في إنجاز علمي غير مسبوق، نجح باحثون في تحويل أجسام الفئران إلى نماذج شبه شفافة، ما أتاح لهم مراقبة تأثيرات السمنة على كامل الجسم بدقة خلوية مذهلة. وكشفت النتائج أن السمنة لا تقتصر على زيادة الوزن أو تراكم الدهون، بل تمتد آثارها إلى الأعصاب والجهاز المناعي وأعضاء متعددة بطرق لم تكن معروفة من قبل.
الدراسة، التي نُشرت في مجلة Nature، قادها علماء من هيلمهولتز ميونيخ، وطرحت أداة جديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي تحمل اسم MouseMapper، قادرة على رسم خريطة ثلاثية الأبعاد لكامل جسم الحيوان وتحليل التغيرات المرضية في مختلف الأعضاء والأنسجة دفعة واحدة.
لطالما ارتبطت السمنة بأمراض مثل السكري من النوع الثاني وأمراض القلب والسكتات الدماغية، لكن العلماء يؤكدون اليوم أن تأثيراتها أوسع بكثير مما كان يُعتقد.
فالسمنة تؤدي إلى: اضطرابات في الجهاز المناعي، تغيرات في بنية الأعصاب، التهابات مزمنة في الأنسجة، زيادة مخاطر الإصابة بالسرطان، أضرار تمتد إلى أعضاء متعددة في الجسم.
وكانت المشكلة الأساسية أمام الباحثين تتمثل في عدم وجود وسيلة تسمح بمراقبة هذه التأثيرات مجتمعة داخل جسم كامل دون تفكيكه إلى أجزاء منفصلة.
تقنيات متقدمة
للتغلب على هذه العقبة، استخدم العلماء تقنيات متقدمة لجعل أنسجة الفئران شفافة دون الإضرار بالخلايا أو الإشارات الحيوية الموجودة فيها.
كما جرى تمييز الأعصاب والخلايا المناعية بعلامات فلورية خاصة، ثم تصوير الجسم كاملاً باستخدام مجاهر ضوئية متطورة تنتج صوراً ثلاثية الأبعاد فائقة الدقة.
وبعد ذلك تولى نظام الذكاء الاصطناعي تحليل ملايين البنى الخلوية داخل الجسم، ورسم خرائط تفصيلية للأعصاب والخلايا المناعية والأعضاء المختلفة.
اكتشاف صادم
ولدراسة آثار السمنة، أخضع الباحثون مجموعة من الفئران لنظام غذائي غني بالدهون حتى أصيبت بالسمنة واضطرابات استقلابية تشبه ما يحدث لدى البشر.
وكشفت النتائج عن تغييرات واسعة النطاق في توزيع الخلايا المناعية وبنية الأعصاب في مختلف أنحاء الجسم، غير أن الاكتشاف الأكثر إثارة كان متعلقاً بالعصب الثلاثي التوائم، وهو أحد أهم الأعصاب المسؤولة عن الإحساس وحركة الوجه.
فقد أظهرت الفئران المصابة بالسمنة انخفاضاً ملحوظاً في عدد التفرعات والنهايات العصبية لهذا العصب، ما يشير إلى تراجع كفاءته الوظيفية.
اختبارات سلوكية
وللتأكد من أن التغيرات البنيوية تؤثر فعلاً في الوظائف العصبية، أجرى العلماء اختبارات سلوكية على الفئران، حيث أظهرت النتائج أن الفئران البدينة كانت أقل استجابة للمحفزات الحسية مقارنة بالفئران ذات الوزن الطبيعي، ما يعزز فرضية أن السمنة قد تؤدي إلى تدهور تدريجي في وظائف الأعصاب.
أدلة مشابهة
ولم تتوقف الدراسة عند الفئران فقط،فقد قام الباحثون بتحليل أنسجة بشرية مرتبطة بالعصب الثلاثي التوائم لدى أشخاص يعانون من السمنة، ليجدوا تغيرات جزيئية مشابهة لتلك التي تم رصدها لدى الفئران.
ويشير ذلك إلى أن الأضرار العصبية المكتشفة قد لا تكون مقتصرة على الحيوانات، بل ربما تحدث أيضاً لدى البشر المصابين بالسمنة.
ذكاء اصطناعي
يمثل نظام MouseMapper نقلة نوعية في دراسة الأمراض المعقدة، لأنه لا يركز على عضو واحد فقط، بل يتعامل مع الجسم بوصفه شبكة مترابطة من الأجهزة والأنسجة.
وبفضل هذه التقنية أصبح بإمكان الباحثين تحديد «البؤر المرضية» أينما وجدت داخل الجسم، ورصد التغيرات المبكرة التي قد تسبق ظهور الأعراض السريرية.
يرى العلماء أن إمكانات هذه التقنية لا تقتصر على دراسة السمنة فقط، بل يمكن استخدامها لفهم أمراض أخرى معقدة تشمل: السكري، السرطان، أمراض الدماغ التنكسية، أمراض المناعة الذاتية، الاضطرابات العصبية المزمنة.
كما يأمل الباحثون في المستقبل في تطوير نماذج رقمية متكاملة تحاكي أجسام الكائنات الحية بدقة خلوية، ما يسمح باختبار العلاجات افتراضياً قبل تطبيقها على أرض الواقع.
ويؤكد فريق الدراسة أن فهم المرض على مستوى الجسم بالكامل قد يغير طريقة تشخيص وعلاج العديد من الحالات المزمنة، فبدلاً من النظر إلى كل عضو بمعزل عن الآخر، تكشف النتائج أن السمنة وأمراضاً أخرى تؤثر في شبكة مترابطة من الأعضاء والأعصاب والخلايا المناعية، ما يتطلب رؤية شاملة لفهمها ومواجهتها.
وبينما تواصل السمنة انتشارها عالمياً، قد يكون هذا الإنجاز بداية لعصر جديد من الأبحاث الطبية، حيث يساعد الذكاء الاصطناعي والتصوير المتقدم العلماء على رؤية ما كان خفياً داخل الجسم، واكتشاف الأمراض قبل أن تترك آثارها الدائمة.

