أكدوا أن إجهاد العين الرقمي خطر صامت
نصحوا بتطبيق قاعدة 20-20-20 بإراحة العين كل 20 دقيقة والنظر
مع بداية العطلة الصيفية، تتحول الأجهزة الذكية إلى الرفيق الدائم لكثير من الأطفال واليافعين، حيث تمتد ساعات استخدام الهواتف والأجهزة اللوحية وألعاب الفيديو ومواقع التواصل الاجتماعي إلى مستويات غير مسبوقة.
وبينما تفتح التكنولوجيا أبواباً واسعة للتعلم والترفيه والتواصل، فإن الإفراط في استخدامها يثير مخاوف متزايدة لدى الأسر والمختصين بشأن تداعياتها الصحية والنفسية والسلوكية، مما يثير تساؤلات ملحة أمام أولياء الأمور لاسيما وأننا أصبحنا في زمن العالم الرقمي يعد جزءاً لا يتجزأ من حياة الأبناء، وأبرز هذه التساؤلات هي: كيف يمكن الاستفادة من مزايا التكنولوجيا دون الوقوع في دائرة الإدمان الرقمي؟
مختصون في مجالات الطب والتربية والطفولة والتعليم العالي أكدوا لـ«البيان» أن التكنولوجيا تمثل سلاحاً ذا حدين، وأن التحدي الحقيقي لا يكمن في منع استخدامها، بل في إدارة العلاقة معها بطريقة متوازنة وآمنة تحافظ على صحة الأبناء وتنمي مهاراتهم وقدراتهم.
إرشادات عملية
وقدم الخبراء مجموعة من الإرشادات العملية التي تساعد الأسر على إدارة استخدام التكنولوجيا خلال الإجازة الصيفية، أبرزها: وضع جدول يومي واضح يحدد ساعات استخدام الأجهزة وفقاً لعمر الطفل، وتطبيق قاعدة 20-20-20 ، بإراحة العين كل 20 دقيقة والنظر إلى مسافة بعيدة لمدة 20 ثانية، ضبط سطوع وإضاءة الشاشات بما يتناسب مع البيئة المحيطة، منع استخدام الأجهزة الإلكترونية قبل النوم بساعة على الأقل.
ومن ضمن الارشادات أيضا: تشجيع الأبناء على ممارسة الأنشطة الرياضية والحركة اليومية، تخصيص أوقات عائلية خالية من الشاشات لتعزيز التواصل الأسري، اعتماد المراقبة الإيجابية والتوجيه بدلاً من المنع المطلق، توفير بدائل ترفيهية متنوعة مثل القراءة والهوايات اليدوية والأنشطة الإبداعية، لاهتمام بترطيب العينين وتقليل إجهاد النظر، إجراء فحوصات دورية للعين ومتابعة أي أعراض صحية مرتبطة باستخدام الأجهزة.
خطر صامت
وتحذر الدكتورة علا السعيد، أخصائية العيون، من أن الاستخدام المطول للشاشات يؤدي إلى ما يعرف بـ«إجهاد العين الرقمي»، الذي تظهر أعراضه في صورة جفاف واحمرار وتشوش في الرؤية، إلى جانب الصداع وصعوبة التركيز.
وتوضح أن الأطفال والمراهقين أكثر عرضة لهذه المشكلات، لأن أعينهم لا تزال في مراحل النمو، مشيرة إلى أن التركيز المستمر على الشاشات من مسافات قريبة، مع انخفاض التعرض للضوء الطبيعي، قد يزيد احتمالات الإصابة بقصر النظر مستقبلاً.
وأضافت أن الضوء الأزرق المنبعث من الأجهزة الذكية يؤثر في إنتاج هرمون الميلاتونين المسؤول عن تنظيم النوم، ما قد يؤدي إلى اضطرابات نوم تنعكس سلباً على النشاط الذهني والتركيز والأداء الدراسي.
آثار نفسية وسلوكية مقلقة
ولا تقتصر المخاطر على الجوانب الصحية فقط، إذ تؤكد بشرى قائد، الخبيرة في مجال الطفولة بدبي، أن الإفراط في استخدام الشاشات يترك آثاراً نفسية وسلوكية واضحة على الأطفال.
وتقول إن قضاء ساعات طويلة أمام الأجهزة قد يؤدي إلى العزلة الاجتماعية وضعف مهارات التواصل وزيادة العصبية والانفعال، مشيرة إلى أن الطفل يصبح أقل تفاعلاً مع أسرته ومحيطه الاجتماعي، ما يؤثر في نموه العاطفي والاجتماعي.
وأضافت أن الاعتماد المفرط على الأجهزة الرقمية قد يخلق حالة من التعلق الرقمي تجعل الطفل أكثر عرضة للتوتر وضعف التركيز، فضلاً عن تراجع قدرته على التواصل المباشر مع الآخرين في ظل تعدد مصادر التشتيت.
الجامعات تتكيف مع الواقع الرقمي
من جانبها، أكدت البروفيسورة لين بي جاك، نائبة رئيس جامعة هيريوت وات دبي، أن مؤسسات التعليم العالي في دولة الإمارات أظهرت مرونة كبيرة في التعامل مع التحول الرقمي، مستفيدة من بنية تحتية متطورة ضمنت استمرارية العملية التعليمية بكفاءة.
وأوضحت أن الجامعات لم تكتفِ بنقل المحاضرات إلى المنصات الإلكترونية، بل أعادت تصميم المناهج وأساليب التقييم والخدمات الأكاديمية بما يتناسب مع بيئة التعلم الرقمية، مع التركيز على تحقيق التوازن بين متطلبات الدراسة والحفاظ على صحة الطلبة ورفاهيتهم.
وأضافت أن الجامعات فعّلت منظومة متكاملة من خدمات الدعم الأكاديمي والإرشادي عن بُعد، لاسيما في الفصول الصيفية، لمساعدة الطلبة على تنظيم أوقاتهم والتفريق بين الاستخدام التعليمي والترفيهي للأجهزة الرقمية، بما يسهم في الحد من التشتت والإجهاد الذهني.
شراكة
وشددت البروفيسورة جاك على أن سلامة الطلبة النفسية والجسدية تبقى أولوية قصوى، مؤكدة أن المؤسسات التعليمية تعمل جنباً إلى جنب مع الأسر لتوعية الطلبة بمخاطر الإفراط في استخدام الشاشات وتشجيعهم على تبني أنماط حياة صحية ومتوازنة.
وأشارت إلى أن المرونة التي يتيحها التعليم الرقمي تفرض في المقابل مسؤولية أكبر على الأسرة في المتابعة والتوجيه، لضمان عدم تحول التكنولوجيا من أداة تعليمية إلى مصدر للاستهلاك المفرط يؤثر في الصحة والتحصيل الأكاديمي.
التوازن الرقمي
بدورها، تؤكد الأخصائية التربوية آلاء حسن أن تحقيق التوازن في استخدام الشاشات أصبح ضرورة ملحّة في العصر الرقمي، وليس مجرد خيار تربوي.
وترى أن تنظيم أنشطة صيفية متنوعة للأطفال واليافعين، تجمع بين الترفيه والتعلم والتفاعل الاجتماعي، يسهم في بناء جيل أكثر وعياً وقدرة على التعامل مع التكنولوجيا بشكل صحي ومسؤول.
وأضافت أن غياب التوازن بين العالم الرقمي والحياة الواقعية قد ينعكس بصورة مباشرة على التحصيل الدراسي، حيث يواجه كثير من الطلبة صعوبة في الفصل بين وقت الدراسة ووقت الترفيه، ما يؤدي إلى تراجع الانتباه وضعف الأداء الأكاديمي.
المسؤولية تبدأ من المنزل
من ناحيتها تشيرالمعلمة إيمان حسين، إلى أن التكنولوجيا ليست المشكلة بحد ذاتها، بل إن طريقة استخدامها هي العامل الحاسم. فالعطلة الصيفية تمثل فرصة مثالية لإعادة تنظيم العلاقة مع الشاشات، من خلال بناء عادات رقمية صحية تمنح الأبناء فوائد التكنولوجيا وتحميهم في الوقت نفسه من آثارها السلبية.
وأضافت أنه في ظل التحول الرقمي المتسارع، تبقى الأسرة خط الدفاع الأول، ويبقى الوعي والتوازن هما المفتاح الحقيقي لبناء جيل قادر على الاستفادة من أدوات المستقبل دون أن يقع أسيراً لها.









