ماذا كانت تخفي بحار كولومبيا قبل 120 مليون سنة؟

قبل نحو 120 مليون سنة، كانت البحار التي تغطي أجزاء من كولومبيا الحالية مسرحاً لعالم بحري استثنائي، تعايشت فيه أنواع متعددة من المفترسات العملاقة، من زواحف بحرية طويلة العنق وأقارب التماسيح البحرية، إلى أسماك القرش والسلاحف والقشريات. ولم يكن هذا التنوع مجرد تجمع عابر لكائنات بحرية مختلفة، بل مثّل نظاماً بيئياً بالغ التعقيد، يقدم دليلاً جديداً على أن التحولات الكبرى في تاريخ الحياة على الأرض لا ترتبط بالضرورة بحدوث انقراض جماعي.

فقد كشفت دراسة علمية حديثة، استندت إلى حفريات تعود إلى العصر الطباشيري المبكر في تكوين «باخا» الجيولوجي بالقرب من بلدة فيلا دي ليفا بكولومبيا، عن مرحلة انتقالية نادرة اجتمعت خلالها سلالات تطورية قديمة كانت تقترب من نهايتها مع مجموعات جديدة بدأت بالظهور والازدهار، في مشهد يعكس إحدى أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ التنوع البيولوجي البحري.

سجل أحفوري

وتعود الأدلة إلى تكوين «باخا» الجيولوجي، الذي يضم سجلاً أحفورياً غنياً يوثق الحياة البحرية قبل نحو 120 مليون سنة، وتحتفظ معظم حفرياته في مركز أبحاث الحفريات «CIP» بكولومبيا.

وأجرى الدراسة باحثة الدكتوراه ديرلي كورتيس، والأستاذ هانز لارسن، من قسم الأحياء بجامعة ماكغيل الكندية، حيث كشفت النتائج عن مجتمع بحري شديد التنوع والتعقيد، ضم زواحف بحرية عملاقة طويلة العنق، وأقارب التماسيح البحرية، والسلاحف، وأسماك القرش، والقشريات، وغيرها من الكائنات.

وأوضحت كورتيس أن هذا التكوين الجيولوجي أتاح سجلاً أحفورياً استثنائياً، ساعد الباحثين على إعادة بناء صورة متكاملة عن الكائنات التي عاشت في تلك البحار والعلاقات الغذائية التي ربطت بينها، مشيرة إلى أن هذه المجموعة، المعروفة باسم «مجموعة باخا الحيوية» (Paja Biota)، تعد من أكثر المجتمعات البحرية تعقيداً من الناحية البيئية التي جرى التعرف إليها حتى الآن.

وكان الفريق قد توصل في دراسة سابقة إلى أن الشبكة الغذائية لهذا النظام البيئي تُعد من بين أكثر الشبكات تعقيداً التي تطورت في تاريخ البحار، نظراً إلى التنوع الكبير في المفترسات التي احتلت قمة السلسلة الغذائية، وهو أمر غير مألوف في كثير من الأنظمة البيئية الأحفورية.

ظروف مناخية

ويرى الباحثون أن اجتماع مجموعة من الظروف البيئية والمناخية ربما أسهم في نشوء هذا التنوع الفريد، إذ تزامنت درجات الحرارة المرتفعة المرتبطة بالمناخ الدفيء مع ارتفاع مستويات البحار، ووفرة المياه الساحلية الغنية بالمغذيات، وهي عوامل وفرت بيئة ملائمة لازدهار الحياة البحرية وتعدد أنواعها.

كما يرجح الفريق أن ظهور ممرات واتصالات بحرية جديدة بين شرق المحيط الهادئ والمحيط الأطلسي في مراحله المبكرة، عبر المنطقة التي تقع فيها كولومبيا حالياً، أسهم في تعزيز حركة الكائنات البحرية وتبادل الأنواع، ما أتاح فرصاً إضافية للتنوع والتطور.

وقال الأستاذ هانز لارسن إن تكوين باخا يوثق مرحلة استثنائية في تاريخ الحياة، اجتمعت فيها مجموعة من العوامل البيئية التي تشجع على زيادة التعقيد البيولوجي، بالتزامن مع وجود سلالات قديمة كانت تقترب من الاختفاء، في الوقت الذي بدأت فيه مجموعات جديدة بالانتشار والازدهار.

وأشار الباحثون إلى أن عدداً من هذه العوامل، مثل درجات الحرارة ووفرة المغذيات والاتصالات بين البيئات البحرية، لا يزال يؤدي دوراً مهماً في تشكيل التنوع البيولوجي في النظم البيئية المعاصرة.

انعطاف بيولوجي

ومن أبرز ما تقترحه الدراسة تقديم مفهوم تطوري جديد أطلق عليه الباحثون اسم «الانعطاف البيولوجي» (Biotic Inflection)، ويصف مرحلة تاريخية تتعايش خلالها سلالات تطورية قديمة تقترب من الانقراض مع مجموعات جديدة آخذة في الظهور، قبل أن تتوسع الأخيرة وتصبح أكثر انتشاراً وتنوعاً.

ويفتح هذا التصور الباب أمام فهم مختلف للتحولات الكبرى في تاريخ التنوع البيولوجي، إذ يشير إلى أن التغيرات الجذرية في المجتمعات الطبيعية قد تحدث نتيجة تداخل عوامل بيئية وتطورية متعددة، حتى في غياب حدث كارثي يؤدي إلى انقراض جماعي واسع النطاق.

وأكد لارسن أن الباحثين ربما توصلوا إلى نموذج جديد لفهم التغيرات الكبرى في التنوع البيولوجي على مستوى العالم، إلا أن إثبات مدى انتشاره يتطلب مزيداً من الدراسات والمقارنات مع السجلات الأحفورية في مناطق أخرى من العالم.

وتشمل الخطوات المقبلة جمع عينات أحفورية إضافية، وتحسين دقة تحديد أعمار الطبقات الجيولوجية، ومقارنة الأنظمة البيئية القديمة في مناطق مختلفة، بهدف معرفة ما إذا كانت ظاهرة «الانعطاف البيولوجي» قد تكررت في مراحل أخرى من تاريخ الأرض.