بعد 600 عام من الخبرة البحثية.. علماء يكشفون مفاتيح السعادة الحقيقية

هل تكمن السعادة في زيادة الدخل وتحقيق النجاحات المهنية، أم في قضاء وقت أطول مع الأشخاص الذين نحبهم؟ بعد عقود من دراسة السعادة والرفاه النفسي، توصل عدد من الباحثين البارزين إلى أن العلاقات الإنسانية القوية تمثل أحد أكثر العوامل ارتباطاً بالشعور بالسعادة، حتى إن بعضهم قرر تغيير نمط حياته ليمنح العائلة والأصدقاء مساحة أكبر من وقته.

وتستند هذه الخلاصات إلى نقاش جمع 13 خبيراً دولياً يمتلكون، مجتمعين، خبرة بحثية تمتد إلى نحو 600 عام، استعرضوا خلاله ما توصل إليه العلم في فهم السعادة، إلى جانب الدروس التي انعكست على حياتهم الشخصية. ونُشرت نتائج هذا النقاش في دراسة بمجلة «Journal of Happiness Studies» في 25 أغسطس 2026، لتقدم قراءة في تطور أبحاث الرفاه النفسي وما تحمله من دروس عملية للحياة اليومية.

العلاقات الإنسانية.. الركيزة الأهم للسعادة

تتصدر العلاقات الاجتماعية قائمة العوامل التي ترتبط باستمرار بمستويات أعلى من السعادة والرضا عن الحياة. فوجود شخص واحد يمكن الاعتماد عليه في أوقات الشدة قد يحدث فارقاً كبيراً، فيما يعزز الانتماء إلى دوائر اجتماعية ومجتمعات داعمة الشعور بالأمان والتواصل والمعنى.

وتقول لارا أكنين، أستاذة علم النفس الاجتماعي في جامعة سايمون فريزر الكندية، وإحدى المشاركات في إعداد الدراسة، إن السعادة تنشأ من تفاعل مجموعة من العوامل، لكن العلاقات مع الآخرين تظل من أبرز المرشحين لما يمكن وصفه بسر السعادة.

أدلة متراكمة

وتشير أكنين إلى أن الأدلة المتراكمة في العلوم الاجتماعية تجعل الروابط الإنسانية من أكثر العوامل ثباتاً في ارتباطها بالسعادة، مؤكدة أن الأمر لا يتعلق بعدد العلاقات فحسب، بل أيضاً بوجود أشخاص يشعر الفرد معهم بالثقة والدعم والانتماء.

وتنسجم هذه النتائج مع توجه بعض الباحثين إلى تخصيص وقت أكبر للعائلة والأصدقاء، بدلاً من الانشغال الدائم بالعمل والالتزامات اليومية، في تطبيق عملي لما تكشفه الدراسات عن أهمية التواصل الإنساني.

الاستقرار

رغم أهمية الاستقرار المالي في تلبية الاحتياجات الأساسية وتخفيف الضغوط المرتبطة بالمعيشة، فإن زيادة الدخل لا تعني بالضرورة ارتفاع السعادة بالمقدار نفسه، خصوصاً عندما يتمكن الفرد من تأمين احتياجاته الضرورية.

فالمال قد يوفر الأمان والخيارات والقدرة على مواجهة الطوارئ، لكنه لا يضمن وحده الشعور بالرضا أو جودة العلاقات أو الإحساس بالانتماء. ولهذا، يشير الباحثون إلى أهمية النظر إلى الرفاه بوصفه مفهوماً أوسع من الثروة المادية، يشمل طبيعة الحياة اليومية ومدى انسجامها مع ما يمنحه الشخص قيمة ومعنى.

ولا يعني ذلك أن المال غير مهم، بل إن أثره في السعادة يتداخل مع ظروف الفرد واحتياجاته ومستوى الأمان الذي يتمتع به، ما يجعل اختزال السعادة في الدخل وحده تصوراً غير مكتمل.

ممارسات يومية

لا تتوقف السعادة عند الظروف المحيطة بالفرد، إذ يمكن لبعض الممارسات اليومية أن تساعده على تعزيز شعوره بالرضا والرفاه. ويشير الباحثون إلى عدد من الأساليب المدعومة بالأبحاث، من بينها ممارسة الامتنان، والانتباه إلى التجارب الإيجابية وتذوق تفاصيلها، والتطوع، وتقوية العلاقات الاجتماعية، والمشاركة في الأنشطة المجتمعية.

وقد تبدو هذه الممارسات بسيطة، لكنها تشجع على توجيه الانتباه إلى الجوانب الإيجابية في الحياة، وتعزز التواصل مع الآخرين، وتمنح الفرد فرصاً للشعور بالإنجاز والانتماء.

كما تسهم الأنشطة ذات المعنى، سواء في العمل أو خارجه، في تعزيز الرفاه عندما تتيح للشخص توظيف قدراته، وتنسجم مع قيمه واهتماماته، وتمنحه إحساساً بأن ما يقوم به يتجاوز مجرد إنجاز المهام اليومية.

السعادة ليست غياب الحزن والضغوط

ومن أبرز الدروس التي يسلط عليها الباحثون الضوء أن السعادة لا تعني الشعور الإيجابي طوال الوقت، ولا تستلزم تجنب المشاعر السلبية أو تجاهل الصعوبات. فالأشخاص الذين يتمتعون بمستويات مرتفعة من الرضا عن الحياة يمرون، مثل غيرهم، بالتوتر وخيبات الأمل والتحديات.

الرفاه النفسي

لكن الرفاه النفسي المستدام يرتبط، جزئياً، بقدرة الفرد على التكيف مع الظروف الصعبة، والحفاظ على علاقات داعمة، ومواصلة العيش وفق قيمه وأهدافه، بدلاً من ربط سعادته بغياب المشكلات تماماً.

وتوضح أكنين أن العوامل الوراثية وظروف الحياة تؤثر في السعادة، لكنها لا تعني بالضرورة أن مستوى الرفاه ثابت لا يتغير، إذ تتيح بعض السلوكيات والممارسات المدروسة مجالاً لتحسين التجربة اليومية.

وتستشهد بعض النماذج البحثية الشائعة بتقديرات تفترض أن الظروف الحياتية، مثل العمل ومكان الإقامة والعمر والحالة الاجتماعية، تفسر نحو 10% من التباين في السعادة، بينما قد تسهم الأنشطة الاختيارية بنسبة تصل إلى 40%. غير أن هذه الأرقام تظل تقديرات مستمدة من نموذج معين، وليست نسباً ثابتة تنطبق على الجميع، ولا تعني أن الإنسان يستطيع التحكم في سعادته بصورة كاملة.

الرضا

شهدت دراسة الرفاه النفسي توسعاً ملحوظاً منذ سبعينيات القرن الماضي، لتشمل موضوعات متعددة، من الرضا عن الحياة والعلاقات الاجتماعية إلى الصحة النفسية والسلوك الإنساني. ومع هذا النمو، ازدادت تخصصات المجال وتنوعت أسئلته البحثية، ما أثار مخاوف لدى بعض رواده من تشتت الجهود بين موضوعات دقيقة على حساب الصورة الأشمل.

ومع ذلك، يجمع المشاركون في النقاش على أهمية مواصلة الأبحاث الرصينة، وربط نتائجها بوسائل عملية يمكن أن تساعد الأفراد والمجتمعات على تحسين جودة الحياة.

ولا تقتصر أهمية السعادة على شعور الفرد بالرضا، إذ تشير أبحاث إلى ارتباطها بنتائج إيجابية أخرى، من بينها زيادة الاستعداد لمساعدة الآخرين والمشاركة في الشأن المجتمعي. وترى أكنين أن الشعور بأن الحياة تسير على نحو جيد قد يمنح الإنسان القدرة والدافع للاهتمام بأسرته ومجتمعه والمساهمة في مواجهة التحديات المحيطة به.

كما يمثل العطاء حلقة وصل بين سعادة الفرد ورفاه الآخرين، فمساعدة شخص محتاج أو المشاركة في عمل تطوعي قد تعزز الروابط الاجتماعية وتدعم روح التضامن، فيما تعود نتائج هذه المبادرات بالنفع على المستفيدين والمجتمع الأوسع.

وتلخص هذه الرؤية فكرة أساسية في أبحاث السعادة: أن الرفاه ليس تجربة فردية معزولة، بل يتشكل أيضاً من جودة العلاقات التي نبنيها، والمعنى الذي نجده في أنشطتنا، والأثر الذي نتركه في حياة الآخرين.