في أعماق الأرض، حيث درجات الحرارة الهائلة والضغوط التي يصعب تصورها، قد تختبئ آلية جيولوجية غير معروفة على نطاق واسع، ربما أسهمت في تشكيل الغلاف الجوي الذي نعيش فيه اليوم.
فقد كشفت دراسة علمية جديدة أن الصخور المنصهرة تستطيع الاحتفاظ بكميات إضافية من الأكسجين عند تعرضها لضغوط مرتفعة، ما يفتح الباب أمام احتمال انتقال هذا الأكسجين إلى الطبقات القريبة من السطح مع صعود الصهارة.
وتشير النتائج إلى أن هذه العملية ربما أدت دوراً في زيادة الأكسجين في الغلاف الجوي قبل مليارات السنين، بالتزامن مع فترات شهدت نشاطاً بركانياً واسع النطاق. ومع ذلك، لا تزال هذه الفرضية بحاجة إلى مزيد من البحث لتحديد مدى إسهامها الفعلي في تاريخ الأكسجين على الأرض.
ونُشرت الدراسة في مجلة «ناشونال ساينس ريفيو» (National Science Review)، بقيادة يانهاو لين وهو كوانغ ماو، من مركز أبحاث علوم وتكنولوجيا الضغط العالي المتقدمة (HPSTAR)، بالتعاون مع باحثين من جامعة نورث وسترن بوليتكنيكال في الصين والجامعة الحرة في أمستردام.
يشكّل الأكسجين أكثر من نصف الذرات الموجودة في الجزء السيليكاتي من الأرض، لكن وجوده بوفرة لا يعني أنه متاح تلقائياً للانطلاق إلى الغلاف الجوي، إذ يرتبط معظم الأكسجين كيميائياً بعناصر أخرى داخل الصخور والمعادن.
وعادةً ما يقدّر علماء الأرض كمية الأكسجين في الصهارة بالاستناد إلى تركيبها الكيميائي وحالات الشحنة الكهربائية لعناصر مثل السيليكون والمغنيسيوم والحديد.
لكن السؤال الذي لم يحظَ بالقدر الكافي من الدراسة هو: هل تستطيع الصخور المنصهرة امتصاص أكسجين إضافي يتجاوز الكمية التي يتوقعها هذا الحساب، على غرار قدرتها على استيعاب الماء وثاني أكسيد الكربون؟.
لاختبار هذه الفرضية، أجرى الباحثون تجارب على بازلت اصطناعي يحاكي الصخور البركانية الموجودة في قاع المحيط، وأضافوا إليه أكسيد البلاتين لتوفير مصدر إضافي للأكسجين.
ثم عرّضوا العينات لدرجات حرارة تراوحت بين 1200 و1800 درجة مئوية، تحت ضغوط بدأت من الضغط الجوي ووصلت إلى 7 غيغاباسكال، وهو ضغط هائل يقارب مليون رطل لكل بوصة مربعة.
وأجرى الفريق تجارب مماثلة من دون إضافة أكسيد البلاتين، لمقارنة النتائج ومعرفة ما إذا كان توفير مصدر إضافي للأكسجين يغيّر قدرة الصهارة على الاحتفاظ به.
صهر العينات
بعد صهر العينات وتبريدها سريعاً لتحويلها إلى زجاج، حلّل الباحثون تركيبها الكيميائي لتحديد كمية الأكسجين المتبقية فيها، مع استبعاد الأكسجين اللازم لمعادلة العناصر الأخرى، وكذلك الموجود ضمن الماء وثاني أكسيد الكربون.
وأطلق الفريق على الكمية المتبقية اسم «الأكسجين الزائد»، وهي الكمية التي تتجاوز ما يمكن تفسيره بالتركيب الكيميائي التقليدي للعينة.
وأظهرت النتائج أن هذه الكمية كانت قريبة من الصفر عند الضغط الجوي في العينات التي أضيف إليها أكسيد البلاتين، لكنها تجاوزت 5% من وزن العينة عند ضغط 7 غيغاباسكال. في المقابل، تراوحت نسبة الأكسجين الزائد في التجارب التي لم يُضف إليها مصدر إضافي للأكسجين بين 0.2% و0.5% من وزن العينة.
وتشير هذه الفروق إلى أن الضغط المرتفع يساعد الصهارة على الاحتفاظ بكميات إضافية من الأكسجين عندما يكون متاحاً لها مصدر مناسب.
ويرجّح الباحثون أن تكون بعض الكميات قد فُقدت خلال التبريد السريع للعينات، ما يعني أن القياسات قد تقل عن الكمية التي احتوت عليها الصخور المنصهرة في الأصل.
فقاعات غازية
لم يكتفِ الباحثون بقياس كمية الأكسجين، بل سعوا أيضاً إلى معرفة كيفية وجوده داخل المادة: هل اندمج في بنيتها، أم بقي محصوراً داخل فقاعات غازية صغيرة؟
وللإجابة عن ذلك، استخدم الفريق تقنية التحليل الطيفي لرامان، التي تساعد على استكشاف البنية الداخلية للمواد من خلال دراسة الضوء المتشتت عنها. ولم تكشف القياسات عن بصمة مميزة لغاز الأكسجين داخل الزجاج الناتج من الصهارة، ما يشير إلى أن الأكسجين الزائد اندمج في بنية المادة نفسها، بدلاً من وجوده في صورة فقاعات من الغاز.
كما استعان الباحثون بمحاكاة حاسوبية لدراسة التفاعلات بين الذرات على المستوى المجهري. وأظهرت المحاكاة أن الأكسجين الإضافي يمكن أن يدخل في تركيب الصهارة حتى بلوغ حالة من التوازن، مع تغير توزيع الشحنات الكهربائية على ذراته وتكوّن روابط شبيهة بروابط البيروكسيد بين نسبة صغيرة منها.
ورغم أن المحاكاة اعتمدت نظاماً مبسطاً من المغنيسيوم والسيليكون والأكسجين، وأظهرت كميات أقل من تلك المقاسة في تجارب البازلت، فإنها سجلت الاتجاه نفسه: تزداد قدرة المادة المنصهرة على الاحتفاظ بالأكسجين مع ارتفاع الضغط.
وشاح الارض
استناداً إلى هذه النتائج، يقترح الباحثون أن الصهارة المتكوّنة في مناطق غنية بالأكسجين داخل وشاح الأرض قد تمتص كميات إضافية منه تحت الضغط المرتفع.
وعندما تبدأ الصهارة بالصعود نحو السطح، ينخفض الضغط المحيط بها تدريجياً، ما قد يقلل قدرتها على الاحتفاظ بالأكسجين الإضافي، فيتحرر جزء منه خلال رحلتها إلى الطبقات العليا.
وقد يسهم هذا الأكسجين في تفاعلات الأكسدة داخل الوشاح العلوي والقشرة الأرضية والغلاف الجوي، بما يجعل الصهارة وسيلة محتملة لنقل القدرة المؤكسدة من أعماق الكوكب إلى سطحه.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الأكسجين المنطلق يصل مباشرة إلى الغلاف الجوي في كل الحالات، إذ قد يُستهلك جزء منه في تفاعلات كيميائية داخل الصخور قبل بلوغه السطح. لكن الآلية المقترحة تفتح مساراً جديداً لدراسة العلاقة بين العمليات الجيولوجية العميقة والتغيرات التي طرأت على الغلاف الجوي عبر الزمن.
فرضية
تكتسب الفرضية أهمية إضافية بسبب التزامن الزمني الذي لاحظه الباحثون بين ارتفاعات كبيرة في مستويات الأكسجين الجوي قبل نحو 2.5 إلى ملياري سنة، وتكوّن بعض أكبر الأقاليم البركانية الكبيرة على الأرض.
وتشير هذه الأقاليم إلى مناطق شاسعة تراكمت فيها الصخور نتيجة نشاط بركاني هائل استمر لفترات جيولوجية، ما قد يعني أن كميات ضخمة من الصهارة تحركت من باطن الأرض إلى طبقاتها العليا خلال تلك الفترات.
ووفق تقدير تقريبي أورده الباحثون، فإن إطلاق الصهارة خلال تلك الحقبة كمية من الأكسجين الزائد تعادل 0.27% فقط من وزنها كان يمكن، نظرياً، أن يوفر كمية من الأكسجين تعادل المخزون الموجود في الغلاف الجوي الحالي.
لكن هذا التقدير لا يثبت أن تلك العملية حدثت بالفعل بالمقدار المفترض، ولا يعني أن النشاط البركاني وحده تسبب في ارتفاع الأكسجين الجوي؛ إذ إن تطور الغلاف الجوي للأرض نتج من تفاعلات معقدة شملت العمليات الجيولوجية والبيولوجية والكيميائية.
مواد متطايرة
يرى الباحثون أن التعامل مع الأكسجين بوصفه مكوّناً مستقلاً يمكن أن تذوبه الصهارة تحت الضغط، مثل الماء وثاني أكسيد الكربون، قد يغيّر بعض النماذج المستخدمة لفهم تطور الأرض المبكرة، وتكوّن المحيطات الصهارية، وانتقال المواد المتطايرة من باطن الكوكب إلى سطحه.
وقد تمتد أهمية هذه النتائج إلى دراسة الكواكب الصخرية الأخرى، إذ يمكن أن تساعد على فهم كيفية تفاعل باطنها مع أغلفتها الجوية، وما إذا كانت العمليات الجيولوجية العميقة قد أسهمت في تهيئة الظروف الملائمة للحياة.
ومع أن الدراسة لا تحسم مصدر الأكسجين الذي تراكم في الغلاف الجوي للأرض، فإنها تقدم دليلاً تجريبياً على قدرة الصهارة على الاحتفاظ بأكسجين إضافي تحت الضغط المرتفع، وتطرح آلية محتملة تستحق مزيداً من الاختبار لفهم أحد التحولات الكبرى في تاريخ كوكبنا.

