في أعماق جبل إيطالي، أجرى فريق من العلماء تجربة دقيقة استمرت 62 يوماً، بحثاً عن إشارة إشعاعية بالغة الضعف قد تساعد في تفسير أحد أعمق ألغاز الفيزياء الحديثة: لماذا تختفي السلوكيات الكمومية الغريبة عندما ننتقل من عالم الذرات والجسيمات إلى الأشياء الكبيرة التي نراها في حياتنا اليومية؟
وجاءت النتيجة على خلاف التوقعات، إذ لم يعثر الباحثون على أي أثر للإشعاع الذي تنبأت به نظرية تعود إلى ستينيات القرن الماضي، وتفترض أن التقلبات الدقيقة في الزمكان، المرتبطة بالجاذبية، قد تؤدي إلى تلاشي الحالات الكمومية.
وبذلك، تستبعد التجربة الصيغة التي اختبرها العلماء من هذه النظرية، من دون أن تنفي بالضرورة وجود دور للجاذبية في هذه العملية.
لفهم أهمية النتائج، لا بد من التوقف عند مفهوم «التراكب الكمومي»، الذي يسمح للجسيمات بأن تكون في أكثر من حالة كمومية في الوقت نفسه، وفقاً لوصف ميكانيكا الكم.
ويُعد هذا المفهوم أساس التجربة الفكرية الشهيرة التي طرحها الفيزيائي إروين شرودنغر، والمعروفة باسم «قطة شرودنغر»، والتي تتخيل قطة داخل صندوق مغلق تكون، وفق الوصف الكمومي للنظام، في حالة تجمع بين الحياة والموت إلى أن تُجرى عملية القياس.
لكن العالم الذي نعيشه لا يبدو خاضعاً لهذه السلوكيات الغريبة، فالأجسام الكبيرة تتصرف وفق القوانين الكلاسيكية التي نلاحظها يومياً.
وهنا تظهر أهمية مفهوم «فقدان الترابط الكمومي»، أو ما يُعرف بـ«إزالة الترابط الكمومي» (Decoherence)، الذي يساعد على تفسير اختفاء آثار التراكب الكمومي الواضحة عندما تتفاعل الأنظمة مع محيطها.
وتوضح كاتالينا كورسيانو، مديرة الأبحاث والمتحدثة باسم تعاون VIP في المختبر الوطني لفراتسكاتي التابع للمعهد الوطني الإيطالي للفيزياء النووية، أن فهم سبب اختفاء السلوك الكمومي الغريب من العالم واسع النطاق يظل أحد أعمق الأسئلة المفتوحة في الفيزياء الحديثة.
المكان والزمان
في ستينيات القرن الماضي، اقترح الفيزيائي المجري فريغيس كارولهازي أن الزمكان، أي النسيج الذي يجمع المكان والزمان، يشهد تقلبات مستمرة بالغة الصغر. ووفقاً لنموذجه، يمكن لهذه التقلبات أن تؤدي تدريجياً إلى تدمير حالات التراكب الكمومي، ما يمنع الأجسام الكبيرة من إظهار السلوكيات الكمومية التي تميز الجسيمات الدقيقة.
وتستند الفكرة إلى محاولة الربط بين ميكانيكا الكم ونظرية النسبية العامة لألبرت أينشتاين، التي تصف الجاذبية باعتبارها انحناءً في الزمكان.
ورغم قدم الفرضية، ظلت موضع اهتمام الباحثين، وأُعيدت صياغة النموذج في دراسة حديثة بهدف تحويل تنبؤاته النظرية إلى نتائج يمكن اختبارها عملياً.
تسارعات عشوائية
وتفترض النظرية أن تقلبات الزمكان لا يمكن قياسها مباشرة، لكنها قد تؤثر في الجسيمات المشحونة كهربائياً، فتسبب تسارعات عشوائية طفيفة تؤدي إلى انبعاث إشعاع كهرومغناطيسي ضعيف للغاية.
ومن هنا جاءت فكرة التجربة: البحث عن هذا الإشعاع لمعرفة ما إذا كان النموذج قادراً على تفسير فقدان الترابط الكمومي.
أُجريت التجربة في مختبر غران ساسو الوطني التابع للمعهد الوطني الإيطالي للفيزياء النووية، وهو منشأة متخصصة في أبحاث الفيزياء الأساسية تقع تحت نحو 1.4 كيلومتر من الصخور.
ويوفر هذا الموقع حماية طبيعية من جزء كبير من الإشعاعات الكونية التي قد تتداخل مع القياسات الدقيقة، ما يجعله مناسباً للبحث عن إشارات نادرة وشديدة الضعف.
واستخدم الفريق بلورة من الجرمانيوم عالي النقاء، بحجم يقارب فنجان القهوة، وأحاطها بطبقات واقية من النحاس والرصاص لتقليل الإشعاع الخلفي غير المرغوب فيه.
بصمة إشعاعية
وبعد جمع البيانات على مدى 62 يوماً، حلل الباحثون الإشعاع الخلفي المتوقع، ثم بحثوا في البيانات المتبقية عن البصمة الإشعاعية التي يتنبأ بها نموذج كارولهازي، لكنهم لم يعثروا على الإشارة المطلوبة.
ونُشرت نتائج الدراسة في دورية «New Journal of Physics» في 19 يونيو 2026، تحت عنوان «الاستبعاد التجريبي لنموذج معمّم لفقدان الترابط الكمومي الناجم عن الجاذبية».
نتيجة مهمة
أكدت كورسيانو أن غياب الإشارة يمثل نتيجة علمية مهمة بحد ذاته، لأنه يتيح استبعاد النسخة المختبرة من النموذج، ويضع قيوداً جديدة على التفسيرات التي تربط فقدان الترابط الكمومي بتقلبات الزمكان.
لكن هذه النتيجة لا تعني أن الجاذبية لا تؤثر في الأنظمة الكمومية، إذ لا تزال هناك آليات أخرى محتملة، فيما تظل العلاقة بين ميكانيكا الكم والنسبية العامة من أبرز المسائل التي لم تحسمها الفيزياء الحديثة.
من جانبه، أوضح كريستيان بيسكيا، الفيزيائي المتخصص في الكم والباحث الرئيس في التجربة، أن عدداً من محاولات بناء نظرية للجاذبية الكمومية يتضمن فكرة وجود حد أدنى أساسي للأطوال، يرتبط بالقيود المفروضة على دقة قياس الزمكان.
ولا تثبت التجربة وجود هذا الحد الأدنى أو تنفيه، لكنها تقيد إحدى النتائج الفيزيائية المقترحة التي قد تترتب على عدم اليقين في قياس الزمكان.
ويرى الباحثون أن التجارب عالية الدقة أصبحت قادرة على اختبار أفكار كانت حتى وقت قريب أقرب إلى التصورات النظرية منها إلى الفرضيات القابلة للتحقق العملي.
ومع تطور حساسية أجهزة القياس، تتسع فرص اختبار النظريات التي تحاول تفسير العلاقة بين الجاذبية والعالم الكمومي، في مسعى لفهم القوانين الأساسية التي تحكم الكون.

