كهف نيوزيلندي يفتح ذاكرة الأرض

ببغاء غامض قد يغير مفاهيم التطور

في اكتشاف علمي مذهل يعيد رسم ملامح الحياة القديمة على كوكب الأرض، نجح علماء حفريات في الكشف عن بقايا 16 نوعاً متحجراً من الطيور والبرمائيات داخل كهف معزول في غابات نيوزيلندا، يعود عمرها إلى أكثر من مليون عام، ما يفتح نافذة نادرة على عالم مفقود اختفى قبل ظهور الإنسان بآلاف القرون.

ويصف الباحثون هذا الاكتشاف بأنه واحد من أهم الأدلة الأحفورية التي تسلط الضوء على النظم البيئية القديمة في الجزيرة، وتكشف عن أنواع لم تعد موجودة اليوم، وأخرى لم تكن معروفة للعلم من قبل.

أحافير

عُثر على الأحافير داخل نظام كهوف في الجزيرة الشمالية لنيوزيلندا، حيث تحولت الرواسب الطبيعية إلى ما يشبه "أرشيفاً جيولوجياً" حفظ تفاصيل الحياة القديمة عبر فترات زمنية شاسعة.

وما يمنح الموقع أهمية استثنائية هو وجود طبقات من الرماد البركاني أحاطت بالأحافير وأغلقتها بإحكام، ما وفر للعلماء فرصة نادرة لتحديد أعمارها بدقة وإعادة بناء البيئة التي عاشت فيها تلك الكائنات قبل أكثر من مليون سنة.

رماد بركاني

أظهرت الدراسات أن الأحافير كانت محصورة بين طبقتين من الرماد البركاني، تعود الأولى إلى نحو 1.55 مليون سنة، بينما يرجع عمر الثانية إلى قرابة مليون سنة.

هذا "الختم البركاني" الطبيعي حافظ على بقايا طيور وضفادع كانت تعيش في غابات كثيفة ومناطق شجرية لم يعد لها وجود بالشكل نفسه اليوم.

وتمكن العلماء من تحديد بقايا 12 نوعاً من الطيور وأربعة أنواع من الضفادع، من بينها أنواع لم تُسجل سابقاً في السجلات العلمية.

موجات الانقراض

تشير نتائج الدراسة إلى أن موجات الانقراض في نيوزيلندا بدأت قبل وصول البشر بوقت طويل، خلافاً للاعتقاد السائد بأن النشاط البشري كان السبب الرئيسي لاختفاء معظم الأنواع.

ويقدر الباحثون أن ما بين 33 و50 في المئة من الأنواع التي عاشت في الجزيرة اختفت خلال المليون سنة التي سبقت وصول الإنسان إليها قبل نحو 750 عاماً فقط.

ويرى العلماء أن التغيرات المناخية المتكررة وتحول الغابات والموائل الطبيعية أدت إلى إعادة تشكيل الحياة البرية مراراً، ما تسبب في اختفاء أنواع وظهور أخرى جديدة عبر الزمن.

ومن أبرز الاكتشافات العثور على بقايا نوع قديم من الببغاوات لم يكن معروفاً سابقاً، ويُعتقد أنه أحد الأسلاف البعيدة للببغاء الليلي النادر المعروف اليوم في نيوزيلندا.

وكشفت الأحافير أن هذا الطائر امتلك بنية مختلفة عن أقاربه المعاصرين، إذ كانت أطرافه أقل قوة، ما يثير احتمال أنه كان قادراً على الطيران، وهو أمر لا يزال قيد الدراسة والبحث.

كما عثر العلماء على بقايا سلف قديم لأحد أشهر الطيور الضخمة غير القادرة على الطيران في نيوزيلندا، إضافة إلى نوع من الحمام المنقرض يرتبط وراثياً بأنواع تعيش في أستراليا، ما يشير إلى وجود روابط بيئية أوسع في الماضي السحيق.

عظام متحجرة

يؤكد الباحثون أن هذا الكهف لا يقدم مجرد مجموعة من العظام المتحجرة، بل يروي قصة نظام بيئي كامل اختفى مع مرور الزمن.

فالأحافير المكتشفة تكشف أن غابات نيوزيلندا القديمة كانت أكثر تنوعاً وتعقيداً مما كان يعتقد سابقاً، وأن تطور الحياة فيها لم يكن مساراً مستقراً، بل سلسلة متواصلة من التغيرات والانقراضات وإعادة التشكل.

ويرى العلماء أن هذه النتائج تساعد في سد فجوة كبيرة في فهم تاريخ التنوع الحيوي في نيوزيلندا، وتوفر أدلة جديدة حول كيفية تشكل الأنظمة البيئية المعزولة وتكيفها مع التغيرات الطبيعية على مدى ملايين السنين.