بعد أربعة عقود على كارثة مفاعل تشيرنوبل النووي التي هزّت العالم عام 1986، لا تزال آثار الحادثة الكارثية حاضرة في الموقع المهجور، شاهدةً على أحد أسوأ الكوارث الصناعية في التاريخ الحديث. وبين الأنقاض الملوثة بالإشعاع، يرقد جسم غامض ومرعب يُعرف باسم "قدم الفيل"، والذي يصفه بعض العلماء بأنه أحد أخطر الأجسام التي صنعها الإنسان على الإطلاق.
في أعماق المفاعل الرابع المدمر بمحطة تشيرنوبل النووية، توجد كتلة سوداء ضخمة تشبه الحمم البركانية المتجمدة، أُطلق عليها اسم "قدم الفيل" بسبب شكلها الذي يشبه قدم الفيل العملاقة.
وتكوّنت هذه الكتلة نتيجة الانصهار الكامل لقلب المفاعل النووي، حيث امتزج الوقود النووي المنصهر مع قضبان الوقود والجرافيت ومواد البناء المختلفة مثل الفولاذ والرمال والخرسانة والزجاج، لتتشكل مادة نادرة تعرف باسم "الكوريوم"، وهي خليط شديد الإشعاع لم يُنتج سوى في عدد محدود جداً من الحوادث النووية الكبرى حول العالم.
اكتشاف مرعب
تم اكتشاف "قدم الفيل" في ديسمبر 1986، بعد أشهر قليلة من الكارثة، عندما دخل خبراء قياس الإشعاع إلى الممرات الواقعة أسفل المفاعل المنهار.
وعند العثور عليها، كانت الكتلة تبعث مستويات إشعاعية هائلة بلغت نحو 10 آلاف رونتغن في الساعة، وهي جرعة كافية لقتل الإنسان خلال دقائق معدودة. وكان مجرد الوقوف بالقرب منها لفترة قصيرة يشكل حكماً بالموت المؤكد نتيجة التسمم الإشعاعي الحاد.
ورغم تراجع مستويات الإشعاع تدريجياً بمرور الزمن نتيجة التحلل الإشعاعي الطبيعي، فإن "قدم الفيل" لا تزال حتى اليوم مصدراً خطيراً للإشعاعات، ومن المتوقع أن تبقى كذلك لعقود طويلة قادمة.
مادة نادرة
ويُعد الكوريوم من أندر المواد الصناعية على وجه الأرض، إذ لم يتكوّن سوى خمس مرات فقط في التاريخ البشري؛ مرة في تشيرنوبل، ومرة خلال حادثة محطة Three Mile Island الأمريكية، وثلاث مرات أثناء كارثة محطة Fukushima Daiichi Nuclear Power Plant اليابانية.
ويُقدّر العلماء أن نحو 100 طن من هذه المادة الخطرة لا تزال مدفونة أسفل أنقاض مفاعل تشيرنوبل، فيما تمثل "قدم الفيل" أشهر وأخطر كتلة منها.
"تشيرنوبليت".. بلورة لا توجد في أي مكان آخر على الأرض
ولم تقتصر غرابة الكارثة على تكوين الكوريوم فقط، بل أدت أيضاً إلى ظهور معدن فريد من نوعه يُعرف باسم "تشيرنوبليت".
وتتشكل هذه البلورات النادرة عندما تتعرض كتل الكوريوم الساخنة للهواء والبخار، لتنتج مادة تحتوي على نسب مرتفعة من اليورانيوم والزركونيوم وعناصر مشعة أخرى. ويؤكد الباحثون أن هذه البلورات لم تُعثر عليها في أي مكان آخر على سطح الأرض، ما يجعلها إحدى أغرب النتائج الجيولوجية التي خلفتها الكارثة النووية.
مخاطر هائلة
ورغم المخاطر الهائلة المرتبطة بالكوريوم وتشيرنوبليت، فإن العلماء يواصلون دراسة هذه المواد لفهم سلوكها وآليات تآكلها بمرور الوقت، بهدف تطوير إجراءات أكثر أماناً للتعامل مع الحوادث النووية المستقبلية.
كما نجح باحثون في السنوات الأخيرة في تصنيع نماذج مخبرية مشابهة لهذه المواد، ما قد يساعد في تحسين تصميم المفاعلات النووية الحديثة وتقليل احتمالات وقوع كوارث مماثلة.
إرث نووي
بعد مرور 40 عاماً على الانفجار الذي غيّر تاريخ الطاقة النووية، تبقى "قدم الفيل" رمزاً مرعباً لقدرة التكنولوجيا على الخروج عن السيطرة عندما تغيب إجراءات السلامة. فهي ليست مجرد كتلة متحجرة من الوقود النووي المنصهر، بل تذكار قاتم يذكّر العالم بثمن الأخطاء البشرية في أخطر الصناعات على الإطلاق.


