سبب صادم لتحرك محور الأرض 80 سنتيمتراً خلال أقل من عقدين

في اكتشاف علمي صادم، أوضح باحثون أن الضخ المكثف واستهلاك البشر للمياه الجوفية حول العالم لم يقتصر تأثيره على استنزاف الموارد المائية ورفع مستويات البحار، بل ساهم أيضاً في تحريك القطب الدوراني للأرض بنحو 80 سنتيمتراً خلال أقل من عقدين، في دليل جديد على قدرة الأنشطة البشرية على التأثير في توازن الكوكب نفسه.

ووفق دراسة نُشرت في دورية رسائل البحوث الجيوفيزيائية، فإن استخراج نحو 2150  جيجا طن من المياه الجوفية خلال 17 عاما أي بين عامي 1993 و2010 أدى إلى تغير ملحوظ في موقع محور دوران الأرض، وهي ظاهرة دقيقة للغاية لكنها قابلة للرصد والقياس بأحدث التقنيات العلمية.

رغم أن كثيرين يعتقدون أن محور دوران الأرض ثابت، إلا أن العلماء يؤكدون أنه يتحرك باستمرار نتيجة إعادة توزيع الكتل على سطح الكوكب، سواء بفعل ذوبان الجليد أو حركة المحيطات أو تغير مخزون المياه على اليابسة.

وخلال العقود الماضية، ركزت الدراسات على تأثير الصفائح الجليدية والتيارات البحرية، لكن الأبحاث الحديثة كشفت أن المياه الجوفية المستخرجة من باطن الأرض تمثل عاملاً مؤثراً لا يقل أهمية.

فعندما تُضخ المياه من الخزانات الجوفية لاستخدامها في الزراعة والشرب والصناعة، تنتقل في النهاية عبر الأنهار إلى المحيطات، ما يؤدي إلى إعادة توزيع جزء من كتلة الأرض بشكل يؤثر على توازن دورانها.

وقدّر الباحثون أن العالم فقد ما يقارب 2150  جيجا طن من المياه الجوفية خلال 17 عاماً فقط، وهي كمية هائلة من المياه انتهى جزء كبير منها في البحار والمحيطات.

وعندما أضاف العلماء هذه البيانات إلى نماذج حركة القطب الأرضي، جاءت النتائج متطابقة تقريباً مع الانحراف الذي تم رصده فعلياً.

وأظهرت الدراسة أيضا أن استنزاف المياه الجوفية ساهم في تحريك القطب الدوراني للأرض بمقدار نحو 80 سنتيمتراً، ورفع مستوى سطح البحر عالمياً بنحو 6.24  مليمترات.

وقال الباحث الرئيسي للدراسة، الجيوفيزيائي كي-وون سيو من جامعة سيؤول الوطنية أن محور دوران الأرض يتغير باستمرار، حيث أظهرت الدراسة أن إعادة توزيع المياه الجوفية تُعد من أكبر العوامل المناخية المؤثرة في هذا الانجراف."

لماذا يؤثر نقل المياه في دوران الأرض؟

يشبّه علماء وكالة الفضاء الأمريكية ناسا الظاهرة بلعبة "البلبل" الدوّار؛ فعندما يُضاف وزن إلى أحد جوانبه يستمر في الدوران، لكن حركته تتغير قليلاً بسبب اختلال التوازن.

وينطبق الأمر نفسه على الأرض، إذ تشكل المياه المخزنة تحت سطحها جزءاً من كتلتها الإجمالية، وعندما تنتقل هذه الكميات الضخمة من باطن الأرض إلى المحيطات، يتغير توزيع الكتلة، ما يؤدي إلى انحرافات طفيفة في محور الدوران يمكن للأجهزة الحديثة رصدها بدقة كبيرة.

مناطق لعبت الدور الأكبر

وأشارت الدراسة إلى أن موقع استنزاف المياه الجوفية له أهمية كبيرة أيضاً، حيث تبين أن الانخفاض الحاد في مخزون المياه الجوفية كان في منطقتين وهما: غرب أمريكا الشمالية، وشمال غرب الهند.

وكان من أبرز العوامل التي ساهمت في تحريك القطب الأرضي، حيث يكون لفقدان المياه في مناطق خطوط العرض المتوسطة تأثير أكبر على حركة المحور مقارنة بمناطق أخرى من العالم.

ورغم هذه النتائج، يؤكد العلماء أن حركة القطب الأرضي تخضع لتفاعل معقد بين عوامل متعددة تشمل: ذوبان الصفائح الجليدية، تغيرات الغطاء الثلجي، حركة المحيطات، التغيرات المناخية طويلة الأمد، واستنزاف المياه الجوفية.

كما يعمل الباحثون حالياً على تطوير نماذج تاريخية أكثر دقة لمتابعة تغيرات مخزون المياه على اليابسة قبل عصر الأقمار الصناعية، بهدف فهم التأثيرات البشرية والطبيعية على الكوكب بشكل أفضل.

رسالة الدراسة

تؤكد هذه النتائج أن التأثير البشري لم يعد يقتصر على المناخ أو الموارد الطبيعية فحسب، بل أصبح قابلاً للقياس على مستوى حركة الأرض نفسها. فكل مليارات الأطنان من المياه التي تُستخرج من باطن الأرض تترك بصمة لا تقتصر على البيئة، بل تمتد إلى ديناميكيات الكوكب الذي نعيش عليه.