مقبرة ملكة تفتح أبواب الجحيم داخل دير العصور الوسطى

في اكتشاف أثري لافت أعاد فتح صفحات منسية من التاريخ الأوروبي، عثر باحثون في إسبانيا على رفات الملكة إليسيندا دي مونتكادا داخل دير يعود للقرن الرابع عشر، قبل أن تقودهم عمليات التنقيب إلى مفاجأة أكبر: 25 هيكلاً عظمياً لضحايا مدفونين وسط علامات غامضة من العنف وإعادة الدفن المتكرر.

وأظهرت النتائج، التي أُعلن عنها في 28 مايو، صورة أكثر تعقيداً مما كان يُعتقد سابقاً عن الحياة داخل دير سانتا ماريا دي بيدرالبيس في برشلونة، وعن أولى المجتمعات التي سكنت المكان.

تعود قصة الدير إلى عام 1327 حين أسست الملكة إليسيندا، زوجة الملك خايمي الثاني ملك أراغون، هذا الصرح الديني، وبعد وفاته، انتقلت للعيش داخله حتى وفاتها عام 1364، حيث بقيت فيه قرابة أربعة عقود.

داخل قبرها، اكتشف الباحثون هيكلاً عظمياً يعود لامرأة في نحو السبعين من عمرها، تظهر عليه آثار مرض خشونة المفاصل المرتبط بالتقدم في السن. كما وُجدت بقايا أكفان بسيطة، إلى جانب شظايا من الحرير المزخرف بخيوط معدنية، إضافة إلى نباتات مثل إكليل الجبل والآس، يُعتقد أنها استخدمت ضمن طقوس الدفن.

كما فندت الدراسة اعتقاداً قديماً بأن قبر الملكة كان يمتد عبر جدار يفصل بين منطقتين من الدير، مؤكدة أن المقبرة كانت في الواقع مقسمة إلى جزأين متقابلين.

خصلة شعر

المفاجآت لم تتوقف عند قبر الملكة. فقد كشف فحص أحد المدافن التي كان يُعتقد أنها تعود لفارس يدعى أرتاو دي فوكسيس عن رفات امرأتين وثلاثة أطفال، بينهم خصلة شعر محفوظة لامرأة ظلت سليمة قرابة 700 عام.

وفي قبر آخر يُنسب تقليدياً إلى الراهبة فرانشيسكا سابورتيا، تبين أنه احتوى على ما لا يقل عن تسعة أشخاص دُفنوا في فترات زمنية مختلفة، مع أدلة على إعادة فتح القبر مراراً. والأكثر إثارة أن بعض الجماجم كانت تحمل آثار طعنات قاتلة.

كما عثر الباحثون على جثمان امرأة لا تزال آثار جنينها في قناة الولادة، يُقدّر عمره بين 20 و23 أسبوعاً، في مشهد نادر يزيد من غموض ظروف الوفاة داخل الدير.

أمراض وإصابات

تكشف النتائج صورة غير متوقعة عن مجتمع ديني تقوده نساء من طبقات نبيلة، عشن عمراً أطول نسبياً مقارنة بمتوسطات القرن الرابع عشر، لكنهن واجهن أيضاً أمراضاً وإصابات خطيرة، بعضها ناتج عن صدمات عنيفة.

وأظهرت التحاليل وجود إصابات نافذة في بعض الهياكل العظمية، بما في ذلك جماجم رجال مدفونين داخل محيط الدير، ما يشير إلى احتمال وقوع حوادث عنف لم تُسجل تاريخياً.

كما وثّق العلماء طقوس دفن متنوعة شملت الأكفان القماشية، والزهور، والشموع، والأعشاب العطرية، في حين ساعدت أكثر من 200 عينة نباتية في إعادة بناء ممارسات جنائزية معقدة داخل الموقع.

لا يزال الباحثون يجرون تحاليل جينية ودراسات للكربون المشع والمواد الأثرية لفهم هوية المدفونين، وكشف العلاقات العائلية، وتتبع أصولهم الجغرافية، وربما اكتشاف أمراض قديمة ظلت مخفية لقرون.

ويبدو أن هذا الدير الهادئ، الذي كان يُعتقد أنه مجرد مركز ديني نسائي، يخفي وراء جدرانه قصة أكثر قتامة وتعقيداً، تمتزج فيها سلطة النبلاء، وطقوس الدين، وملفات عنف لم تُغلق حتى اليوم.