هل أصبح «وضع الطيران» بلا فائدة؟.. الحقيقة التي لا تخبرك بها شركات الطيران

على متن معظم الرحلات الجوية حول العالم، يكاد لا يخلو مشهد ما قبل الإقلاع من الطلب التقليدي الذي يوجهه طاقم الطائرة للركاب: «يرجى تحويل الهواتف إلى وضع الطيران أو إغلاقها». ورغم أن الملايين يلتزمون بهذه التعليمات تلقائياً، فإن تقارير ودراسات حديثة تشير إلى أن الأسباب التقنية وراء هذا الإجراء لم تعد كما كانت في الماضي.

بدأت القيود الأميركية على استخدام الهواتف المحمولة داخل الطائرات عام 1991، عندما فرضت لجنة الاتصالات الفيدرالية الأميركية «FCC» حظراً على تشغيل الهواتف أثناء الطيران.

لكن المفاجأة أن القلق آنذاك لم يكن متعلقاً بتأثير الهواتف على أنظمة الملاحة والطيران، بل بخوف السلطات من تداخل إشارات الهواتف مع شبكات الاتصالات الأرضية التي كانت تعمل بترددات قديمة لم تعد مستخدمة على نطاق واسع اليوم.

ومع تطور التكنولوجيا، ظهرت أنظمة «بيكوسيل» داخل بعض الطائرات، وهي عبارة عن أبراج اتصال مصغرة تسمح للهواتف بالاتصال داخل الطائرة دون الحاجة لإرسال إشارات قوية نحو الأبراج الأرضية، ما حدّ من المخاوف التقنية القديمة.

لا تأثير على أنظمة الطائرات

وأجرت إدارة الطيران الفيدرالية الأميركية «FAA» دراسة موسعة عام 2012، خلصت إلى عدم وجود حالات مؤكدة تسببت فيها الهواتف المحمولة بتعطيل أنظمة الطائرات.

كما نفذت شركتا «بوينغ» و«إيرباص» اختبارات مكثفة في وقت سابق، شملت تعريض الطائرات لإشارات ترددات الهواتف المحمولة، دون تسجيل أي تأثير على أنظمة الملاحة أو الاتصالات الجوية.

وفي خطوة تعزز هذه النتائج، سمح الاتحاد الأوروبي منذ عام 2022 باستخدام شبكات الجيل الخامس «5G» على متن الرحلات الجوية، ضمن إطار تنظيمي خاص بخدمات الاتصالات الجوية، دون تسجيل مشكلات تتعلق بسلامة الطيران.

إزعاج الركاب

ورغم الأدلة التقنية التي تقلل المخاوف المرتبطة بالسلامة، فإن السبب الأبرز لاستمرار «وضع الطيران» يبدو مرتبطاً بسلوك الركاب أكثر من التكنولوجيا نفسها.

ففي عام 2013، حاولت لجنة الاتصالات الأميركية تخفيف القيود على استخدام الهواتف أثناء الرحلات، لكن شركات الطيران وإدارة الطيران الفيدرالية وحتى أعضاء في الكونغرس عارضوا الفكرة، ليس لأسباب فنية، بل خشية تحول الطائرات إلى أماكن مليئة بالمكالمات الصاخبة والفوضى.

وتزايدت هذه المخاوف مع ارتفاع حوادث الشغب والغضب الجوي خلال السنوات الأخيرة، حيث سجلت السلطات الأميركية أكثر من 10 آلاف بلاغ عن سلوكيات عدائية وفوضوية على متن الطائرات بين عامي 2021 و2023.

ويرى مختصون أن السماح بالمكالمات الهاتفية المفتوحة قد يزيد التوتر داخل المقصورات، خاصة في الرحلات الطويلة والمزدحمة.

ويشير خبراء إلى أن استخدام الإنترنت اللاسلكي داخل الطائرات يختلف تقنياً عن شبكات الهواتف المحمولة التقليدية، إذ تعتمد خدمات «الواي فاي» الجوية على أنظمة اتصال خاصة بالأقمار الصناعية أو محطات مخصصة للطائرات، ما يقلل أي احتمالات للتداخل مع الشبكات الأرضية.

ولهذا، بات بإمكان الركاب إرسال الرسائل واستخدام التطبيقات والاتصال عبر الإنترنت أثناء الرحلات، رغم استمرار مطالبتهم بتفعيل «وضع الطيران».

قوانين معقدة

ورغم التطور التقني، يبدو أن إلغاء «وضع الطيران» بالكامل لن يحدث قريباً، بسبب تعقيدات قانونية وتنظيمية في الولايات المتحدة.

فالقوانين المنظمة للأمر تخضع لجهتين منفصلتين: إدارة الطيران الفيدرالية المسؤولة عن سلامة الطيران، ولجنة الاتصالات الفيدرالية المسؤولة عن تنظيم شبكات الاتصالات، ما يجعل أي تعديل يتطلب توافقاً بيروقراطياً معقداً بين الطرفين.

كما تلعب نقابات العاملين في قطاع الطيران دوراً في الإبقاء على القيود الحالية، باعتبار أن هدوء المقصورة يسهم في تسهيل عمل الطواقم الجوية وتقليل المشكلات بين الركاب.

مجرد عادة

ويرى خبراء أن «وضع الطيران» لم يعد مرتبطاً مباشرة بسلامة الطائرات كما كان يُعتقد سابقاً، بل أصبح جزءاً من منظومة تنظيمية تهدف للحفاظ على الهدوء والانضباط داخل الرحلات الجوية.

ومع ذلك، تبقى القوانين الحالية ملزمة للمسافرين، ما يعني أن تشغيل «وضع الطيران» سيظل إجراءً ضرورياً في الوقت الراهن، حتى وإن كانت التكنولوجيا الحديثة قد تجاوزت كثيراً من المبررات القديمة وراءه.