يواجه "جوش ديمارو"، بعد 6 أسابيع فقط من توليه منصب الرئيس التنفيذي لشركة ديزني، اختباراً وجودياً يضعه في قلب حقل ألغام سياسي؛ حيث استدرجه الرئيس ترامب إلى معركة حول "التعديل الأول" للدستور الأمريكي، واضعاً تراخيص بث شبكة (ABC) رهينة مقابل إقصاء المذيع الساخر جيمي كيميل.
وتشير المعطيات إلى أن طعن لجنة الاتصالات الفيدرالية (FCC) في تراخيص البث ليس من قبيل المصادفة، بل هو تحرك يتزامن بدقة مع مطالبات ترامب بإقالة كيميل على خلفية نكتة ساخرة اعتبرتها الإدارة "تفتقر للذوق".
ورغم الجدل حول المحتوى الكوميدي، إلا أن القضية تحولت سريعاً إلى صراع نفوذ بين السلطة التنفيذية واستقلال المؤسسات الإعلامية.
تراقب القاعدة العمالية لديزني في الولايات المتحدة كل تحرك يقوم به ديمارو، في وقت تواجه فيه الشركة تحديات اقتصادية ملموسة؛ حيث كشف تقرير الربع الأول لعام 2026 عن انخفاض دخل العمليات في قطاع الترفيه بنسبة 35% ليصل إلى 1.1 مليار دولار، متأثراً بارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع إيرادات الإعلانات بنسبة 6% نتيجة التقلبات السياسية.
ورغم قوة الموقف القانوني للشركة، إلا أن ديمارو يواجه سؤالاً صعباً حول جدوى خوض معارك قضائية طويلة لأصول البث التقليدي التي أصبحت عبئاً استراتيجياً في ظل تراجع هوامش الربح.
الفدية السياسية
تجد ديزني نفسها اليوم في موقف "لا ربح فيه"؛ إذ إن خيار التراجع أمام الضغوط الحالية قد يلحق ضرراً جسيماً بهوية العلامة التجارية وقيمتها السوقية. وتبرز في هذا السياق تسوية ديسمبر 2024 كذكرى قاتمة في تاريخ الشركة؛ فبعد معارك قانونية مريرة مع حلفاء ترامب في ولاية فلوريدا ومع الإدارة الفيدرالية، اضطرت ديزني للدخول في تسوية قضائية شاملة أوقفت بموجبها كافة الدعاوى المتبادلة.
هذه الخطوة، التي تضمنت تنازلات استراتيجية وأثماناً سياسية باهظة لضمان تمرير صفقات كبرى مثل (ESPN) و(NFL) عبر وزارة العدل دون عراقيل إدارية، وُصفت بأنها محاولة لـ "شراء السكينة التجارية".
وقد أطلق السناتور الديمقراطي آدم شيف —وهو حليف تاريخي لصناعة الترفيه في كاليفورنيا وأحد أبرز خصوم ترامب القانونيين في الكونغرس— مصطلح "الفدية" (Ransom) على هذه التسوية.
وحذر شيف، كخبير بالصدامات السياسية مع الإدارة، إدارة ديزني قائلاً: "لا يمكنك شراء ود الرئيس، يمكنك فقط استئجاره"، وهو ما ثبتت صحته بعودة الهجوم الرئاسي على الشركة عبر بوابة "جيمي كيميل".
ويمثل هذا الفشل في شراء سلام دائم ضغطاً إضافياً على طموحات المدير التنفيذي "ديمارو"، الذي أعلن عن خطة لإعادة شراء أسهم بقيمة 7 مليار دولار في عام 2026؛ وهي استراتيجية باتت اليوم مهددة بالتعثر إذا ما استمرت النزاعات القانونية في تقويض ثقة المستثمرين.
يواجه ديمارو ضغوطاً مزدوجة؛ فبينما يسبب بقاء كيميل غضباً يمينياً، تدرك الشركة أن محرك نموها الحقيقي يكمن في قطاع "التجارب والمنتجات" الذي حقق إيرادات قياسية بلغت 10 مليار دولار في الربع الأخير.
وتعتمد هذه الإيرادات بشكل كبير على سمعة ديزني العالمية وسفنها السياحية التي تبحر في أسواق ترفض سياسات ترامب.
ومع توقعات بتدفقات نقدية تشغيلية تصل إلى 19 مليار دولار لعام 2026، يدرك ديمارو أن الانحياز لطرف سياسي قد يهدد هذه الاستثمارات العالمية الضخمة.
المقاطعة المزدوجة
تواجه ديزني الآن ما يصفه محللون بـ "سلاح المقاطعة المزدوجة"؛ فوفقاً لبيانات ديموغرافية، تشكل الفئات الليبرالية والمستقلة نحو 60% من زوار منتجعات ديزني لاند.
وأي قرار بالتضحية بجيمي كيميل إرضاءً للبيت الأبيض قد يشرع الأبواب أمام حملة مقاطعة واسعة من هذه القاعدة الضخمة. وفي المقابل، فإن استمرار الصدام مع ترامب يبقي على حالة العداء مع تيار (MAGA)، مما يضع ديمارو في حصار تسويقي؛ حيث لا توجد منطقة وسطى يمكنها إرضاء الأيديولوجيتين المتصارعتين دون خسارة مليارات الدولارات.
بينما كان سلفه "بوب آيجر" يشتهر بالمناورة الدبلوماسية، يجد ديمارو نفسه تحت مجهر "وول ستريت". ويراقب كبار المساهمين بقلق كيف يمكن لهذا الصراع أن يؤثر على تصنيف سهم ديزني الائتماني.
وهناك خشية حقيقية من أن تؤدي المعارك القانونية مع لجنة الاتصالات (FCC) إلى استنزاف الموارد التي كان من المفترض توجيهها لتعزيز منصة (Disney+)، مما قد يدفع المستثمرين للضغط باتجاه تسوية سريعة، حتى لو كان ثمنها التخلي عن نفوذ الشبكة السياسي.
مقص الرقيب
تتجاوز خطورة تدخل لجنة الاتصالات (FCC) مجرد التهديد بالتراخيص؛ إذ يخشى الفريق القانوني في ديزني من أن تتطور التحقيقات إلى مطالبة الشبكة بالكشف عن "مراسلات داخلية" تخص البرامج الساخرة.
وتصل هذه الضغوط إلى ذروتها مع اقتراب الانتخابات النصفية، مما يثير مخاوف داخل قطاع الأخبار في (ABC News) من احتمال تأثر القرارات التحريرية بالتهديدات المباشرة، وهو ما قد يؤدي إلى فقدان الشبكة لمصداقيتها، وبالتالي خسارة حصتها في سوق الإعلانات التي بلغت 1.8 مليار دولار في الربع الأخير.

