عبدالله حماد
الكاتب والشاعر والروائي صبحي موسى بدأ حياته الثقافية شاعراً، وأنجز خمس مجموعات شعرية، ضمن تيار قصيدة النثر، هي «يرفرف بجانبها وحده»، «هانيبال»، «قصائد الغرفة المغلقة»، «لهذا أرحل»، «في وداع المحبة»، وأسس لمؤتمر قصيدة النثر العربية عام 2010، لكنه توقف عن الشعر، وتفرغ تماماً لكتابة الرواية، إلى جانب بعض الأعمال البحثية.
صدرت لموسى ثماني روايات، بدأت بـ «صمت الكهنة» مروراً بـ «حمامة بيضاء»، «المؤلف»، «أساطير رجل الثلاثاء»، «الموريسكي الأخير»، «صلاة خاصة»، «نادي المحبين»، «كلاب تنبح خارج النافذة» وأخيراً «وجوه طنجة.. رحلة البحث عن الموريسكيين». وفي هذه الأعمال نقل صبحي الرواية إلى مسرح التاريخ، مستفيداً من المتخيل الشعري ومن البناء المعماري الجامع، الذي تعلمه في الريف من أجداده.
تحدث موسي لهذه المساحة في «البيان»، مستعرضاً تجربته الإبداعية، وانطباعاته عن الحركة الثقافية العربية، وبشكل خاص في الإمارات ومصر.
وجوه طنجة
في مستهل حديثه عن الحركة الثقافية العربية - والإمارات بشكل خاص يقول صبحي موسى، إن الإمارات شهدت طفرة كبيرة خلال العقدين الماضيين، خاصة في المجال الثقافي. ويعتبر موسى أن الإمارات تستفيد من قوتها الناعمة لتعزيز حضورها ومكانتها دولياً، وهو تطور يلاحظه المثقفون في مصر.
وعلى الرغم من أن التعاون الثقافي مع الإمارات يسعد المثقفين المصريين، إلا أن موسى يرى أن هذا الحضور القوي يشير إلى الحاجة الملحة للنهوض بالثقافة المصرية، التي تعاني ضعفاً، بسبب التحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد.
ويواصل الروائي المصري حديثه: «كنت أتمنى أن أتعرف أكثر على معالم الإمارات والكتابة عنها مثلما كتبت عن مدينة طنجة في روايتي «وجوه طنجة»، لكن شاءت الأقدار ألا يحدث هذا، وفي كل الأحوال تظل لكل دولة خصوصيتها وتاريخها وجمالياتها».
ويضيف أنه متأثر بفكرة «عبقرية المكان» للدكتور جمال حمدان، حيث يرى أن لكل مكان تأثيره العميق على شخوصه وتاريخه، وهو ما حاول التعبير عنه في كتاباته. المكان، حسب موسى، يشكل هوية الشخوص، ويحدد مسار حياتهم وتفاعلاتهم.
زمن الشعر لم ينته
وبالرغم من أنه هجر الشعر إلى الرواية يؤكد صبحي موسى أنه لا يرى أن زمن الشعر قد انتهى، لكنه يعتقد أن الشعر يتسلل الآن إلى أشكال فنية أخرى، مثل الرواية والمسرح وقصيدة النثر، التي يعتبرها الوريث الأساسي للشعر.
ويرى أن الفن، مثل أي سلعة، يمر بفترات من الطلب والإقبال، ويشير إلى أن الشعر التأملي أصبح أقل انتشاراً في ظل الانشغال بالثورات والشعر الشعبي.
موسى حصل على جائزة نجيب محفوظ في 2018 وجائزة أفضل عمل روائي في معرض القاهرة للكتاب 2013، ما يعزز تحولاته الإبداعية بين الشعر والرواية.
مأزق التنوير
الروائي المصري صبحي موسى يرى أن دراسته لعلم الاجتماع تركت أثراً عميقاً على طريقة كتابته ورؤيته للعالم، فهو لا يكتب فقط لأجل المتعة الأدبية، بل يعتبر الكتابة انعكاساً للتحولات الاجتماعية والفلسفية، التي يشهدها العالم العربي والعالم ككل.
ويضيف أن الكتابة كفعل فلسفي وتحليل اجتماعي أمر ضروري في عصر التحولات العميقة، لذلك يؤمن بأن فكرة «الفن من أجل الفن» هي رفاهية غير متاحة حالياً، ويؤكد أهمية التركيز على القضايا الاجتماعية والإنسانية في الأدب.
يعتقد موسى أن غالبية الكتاب الكبار في العالم مؤمنين بهذه الرؤية، ومن ثم جاء كتابه «تحولات الثقافة في مصر» ليتأمل ما حدث في الثقافة المصرية منذ عصر محمد علي وحتى وقتنا الراهن، ووضع ملامح خطة للثقافة المصرية في المرحلة المقبلة من تاريخها، في ظل ما حدث من تغيرات بعد أحداث الربيع العربي، سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي.
ويوضح في حديثه لـ «البيان» أنه انتهى أخيراً من إنجاز كتاب بحثي بعنوان «مأزق التنوير العربي»، وهو دراسة في إطار علم الاجتماع الثقافي.
في هذا الكتاب يتأمل الأسباب التي جعلت حركة التنوير في العالم العربي تظل عالقة في قضايا شكلية، ولم تتمكن من تجاوز المرحلة الأولى من التنوير الأوروبي، وهي مرحلة الثورة البروتستانتية. موسى يتناول هذه القضايا عبر منظوره النقدي، في محاولة لفهم العوائق، التي حالت دون تحقيق نهضة فكرية شاملة في العالم العربي.
تهميش
ويضيف أن نشأته الريفية علمته قيمة العمل حتى دون مردود فوري، مؤكداً إيمانه بدور الكاتب في مجتمعه ولحظته الزمنية.
ويرى أن الكاتب يجب أن يسعى لتقديم مشروع أدبي كبير كما فعل الكُتّاب الغربيون، مؤمناً بأن العرب ليسوا أقل في القدرة على الكتابة والتأمل.
وعن الجيل الجديد يشير موسى إلى أنه رغم بعض الانتقادات الموجهة لأدب الشباب فإنهم يستفيدون من ثورة الاتصالات ويملكون الخيال والإبداع لتقديم أنفسهم بشكل قوي.
أما بالنسبة لوضع الأدب العربي على الساحة العالمية فيرى أن العالم لن يولي اهتماماً كافياً لمنطقة تصدر المواد الخام وتستورد كل شيء، رغم أهمية المنطقة تاريخياً وجغرافياً.
وأخيراً يرى موسى أن النقد الأدبي في الوقت الحالي يعاني من التهميش نتيجة تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبح كل فرد ناقداً، وتكون لكل كاتب مجموعة من المعجبين أو «ألتراس» يدعمونه. كما يشار إلى أن النقد أصبح موجهاً حسب الأهواء، وانتهى دور النخب الثقافية التي كانت ترشد القراء.

