محمد خليفة المبارك: أبوظبي منفتحة على العالم دون أن تفقد صوتها الخاص

تبدأ قوة الأمم من وعيها بإرثها الثقافي وتمسكها به وقدرتها على استثماره في بناء الحاضر وصون المستقبل. ولذلك، ارتبطت التنمية الثقافية في أبوظبي منذ بداياتها الأولى بالهوية، والانتماء، والوعي المجتمعي الموصول بنسيج الموروث الحي في المجتمع.

ومن هذا المنطلق فالتغير الذي تشهده الإمارة اليوم ينعكس جليّاً في تبنّيها لهذه الرؤية وسعيها الدائم لتعميق أثرها بين أفراد المجتمع على اختلاف منابتهم وتنوّع مشاربهم الثقافية والفكرية.

فقد انتقل العمل الثقافي من مرحلة المبادرات المحدودة إلى منظومة عمل متكاملة، تُبنى فيها المؤسسات الثقافية بوصفها منصات طويلة الأمد لصناعة الروابط المجتمعية وتعزيزها.

ولم يعد أثر هذه المؤسسات يُقاس بعدد الفعاليات فقط، بل بقدرتها على أن تصبح جزءاً أصيلاً من حياة الناس اليومية، ومساحات نابضة يعودون إليها، لأنهم يشعرون بالانتماء إليها. فلم يعد عدد الزوار هو المؤشر الوحيد أو الأهم، بل أصبح التركيز منصبّاً على عمق العلاقة بين المجتمع والمؤسسات والوجهات الثقافية.

فتكرار المشاركة، والانخراط في البرامج التعليمية، والتفاعل الممتد بين الأجيال، كلها مؤشرات جوهرية على نجاح المؤسسات الثقافية في بناء مجتمع متماسك ومستدام. ولم يقتصر هذا التطور على بناء قدرات مستدامة داخل القطاع الثقافي نفسه، بل امتد أثره إلى تأهيل كوادر متخصصة في مجالات المتاحف، والحفظ، والترميم، والتعليم الثقافي، وفتح مسارات مهنية جديدة لم تكن مطروحة.

وبهذا أصبحت الثقافة جزءاً متجذراً من البنية المهنية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمع، الأمر الذي يؤكد أنها امتداد طبيعي لرؤية راسخة شكّلت مسار التنمية الثقافية في أبوظبي منذ البدايات.

وفي هذا الصدد التقت «البيان» معالي محمد خليفة المبارك، رئيس دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي، الذي أشاد بالدور الثقافي الذي تضطلع به مؤسسات الإمارة ومتاحفها في تشكيل الهوية المحلية ومواكبة الحداثة، من دون التفريط في الإرث الثقافي للدولة وعاداتها وموروثها الشعبي وقيمها الثقافية.

 وقال معاليه: «في أبوظبي، أصبحت الثقافة ركيزة ضمن البنية الاستراتيجية طويلة الأمد للإمارة، ومحركاً رئيسياً من محركات التنمية والازدهار.

فهي لا تعمل بمعزل عن مسار المدينة، بل تتداخل مع رؤيتها للحياة، وجودة التجربة، وبناء المجتمع، وتعزيز حضور الإمارة كوجهة ثقافية وإنسانية ذات هوية واضحة ومؤثرة. فمن خلال الثقافة، يتحقق توازن راسخ بين مواكبة التحولات العالمية المتسارعة، والحفاظ في الوقت ذاته على الجذور العميقة لهويتنا الوطنية.

فالإرث الثقافي ليس ماضياً محفوظاً في الذاكرة أو في المكتبات والمتاحف فقط، بل حضوراً حيّاً ومتجدداً يواكب تطور المجتمع، ويستمر في تشكيل تفاصيل الحياة اليومية دون أن يفقد أصالته.

ومن هذا المنطلق نعتني بصونه وحفظه، كما نعمل على تقديمه بطرق معاصرة من خلال المتاحف، والمعارض، والبرامج الثقافية، والتجارب المجتمعية، وتوظيف التكنولوجيا المتقدمة في تشخيصه، وتوضيح مكوناته، ودلالاتها السلوكية والمجتمعية».

تشكيل الهوية

وأكد معاليه أن هذه الرؤية تجعل أثر الثقافة يتجاوز البعد الرمزي أو الجمالي، لتصبح رافعة استراتيجية للتنمية المستدامة بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والمعرفية، فهي تنتج المعرفة، وتعزز التماسك المجتمعي، وتفتح آفاقاً جديدة للفرص، وتدعم استدامة الوظائف، وتترك أثراً تراكمياً يمتد عبر الأجيال.

وأضاف معاليه: «فمنذ أن أرسى الوالد المؤسس، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، أُسُس حفظ الإرث الثقافي وصونه من خلال مؤسسات مبكرة، منها متحف العين عام 1969، كانت الرؤية جليّة ومتمثلة في أن الثقافة ليست للجيل الحاضر فقط، بل إرث تتوارثه الأجيال المقبلة. وقد أرست هذه الرؤية العميقة الأساس الذي نستند إليه اليوم في مسار التنمية الثقافية».

وعن دور الثقافة في تشكيل هوية أبوظبي، قال معاليه: «في ضوء ما تم إنجازه، نعمل ونخطط دائماً على أساس أن الثقافة ركيزة أساسية جوهرية في بناء المدن وتشكيل هويتها، لا كمساحة ترفيهية ثانوية، بل كعنصر أساسي وأصيل يسهم في تشكيل وعي المدينة بذاتها وروحها ومقوماتها.

وبذلك نرى للثقافة دوراً تفاعلياً مؤثراً في يوميات الناس وتفاعلهم، فالثقافة تمنح المدينة ذاكرتها الحية، وتحدد ملامح تطورها، وتربط بين الإنسان والمكان والمجتمع في علاقة لا تقوم على الزيارة العابرة، بل على الانتماء المتجدد والانطباعات العميقة في السلوك، والعقل، والمعنى والوجدان».

معاصرة وحداثة

وأوضح معاليه تجلّي مواكبة العصر في لغة العمارة الثقافية للإمارة؛ فالمؤسسات الثقافية في أبوظبي ليست مجرد مبانٍ حديثة، بل امتداد بصري وفكري للهوية المحلية، حيث يشكّل متحف زايد الوطني مثالاً بارزاً على ذلك؛ إذ يستلهم تصميم أبراجه من جناحَي الصقر، في تعبير معماري معاصر يجسد رمزاً متجذراً في الوجدان الإماراتي، فيما تستحضر وظائف هذه الأبراج البيئية مفهوم بناء «البراجيل» التقليدي الذي شكّل جزءاً من حكمة العمارة المحلية لقرون طويلة، مضيفاً:

«وفي عالم يتسارع فيه إيقاع العولمة، تصبح المؤسسات الثقافية في الإمارات مساحة توازن دقيقة بين الانفتاح على العالم وترسيخ الجذور. فهي لا تكتفي بتقديم الهوية الوطنية، بل تضعها في سياق إنساني أوسع، يربط المحلي بالعالمي، ويجعل من الهوية الإماراتية جزءاً فاعلاً من الحوار الثقافي العالمي».

وأكد معاليه أن حجم التفاعل المتزايد مع مؤسساتنا الثقافية يشكّل شاهداً عملياً على أهمية ربط الإرث الثقافي بالحياة. ففي عام 2025 استقبلت مواقع الإمارة الثقافية والتراثية أكثر من 8 ملايين و600 ألف زيارة، بزيادة 51% مقارنة بالعام 2024، مشيراً إلى أن هذه الأرقام لا تُقرأ بوصفها مؤشرات نمو فحسب، بل باعتبارها انعكاساً لتحوّل الثقافة إلى جزء أصيل من التجربة اليومية في أبوظبي، واتساع حضورها في حياة الناس بصورة مستمرة، موضحاً معاليه:

«فالبنية التحتية الثقافية، في نهاية المطاف، لا تُقاس بالمباني وحدها، بل بما تحمله من طاقات بشرية، ومواهب خلّاقة، ومجتمعات إبداعية تُبقي هذا القطاع حياً ومؤثراً.

فالمتاحف والمؤسسات الثقافية ليست مجرد فضاءات للعرض، بل منصات فاعلة للحوار الإنساني، والتبادل الحضاري، يلتقي فيها الناس مع التاريخ، والأفكار، ومع بعضهم بعضاً. وفي عالم يتغير بوتيرة متسارعة، تبقى الثقافة مورداً إنسانياً مشتركاً، يزداد عمقاً وأهمية كلما اشتدت التحوّلات من حولنا».

بناء المجتمع

وأضاف معاليه أنه في أبوظبي لم تكن الثقافة يوماً عنصراً مضافاً إلى المشهد الحضري، بل كانت جزءاً أصيلاً في بيئته وبنيته، نابعاً من رؤية الإمارة للإنسان، والمجتمع، والمكان، فمنذ تأسيس المجمّع الثقافي عام 1981، كان الهدف واضحاً:

بناء فضاء معرفي وإبداعي مفتوح، يعزز التعلم، والتعبير، والتواصل، ويمنح المجتمع أدوات النمو والوعي المجتمعي والتطور.

وأوضح أن جذور هذا النهج تمتد إلى رؤية الأب المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي أدرك مبكراً أن قوة الأمم تبدأ من وعيها بإرثها الثقافي، ومن قدرتها على استثماره في بناء الحاضر وصون المستقبل.

وتابع معاليه: «ومن هنا، ارتبطت التنمية الثقافية في أبوظبي منذ بداياتها بمفهوم أعمق من النشاط أو الفعالية؛ ارتبطت بالهوية، والانتماء، واستدامة الوعي المجتمعي الموصول بنسيج الموروث الحي في المجتمع.

وفي مجتمع تحتضن فيه أبوظبي أكثر من 200 جنسية تكتسب المؤسسات الثقافية أهمية مضاعفة بوصفها مساحات مشتركة للفهم والتلاقي. فهي لا تقتصر على عرض التراث والفنون، بل تؤدي دوراً محورياً كمنصات للحوار الإنساني والتبادل الحضاري، تُبنى فيها الجسور بين الثقافات والتجارب المختلفة، وتتشكّل من خلالها أرضية مشتركة تعزز التفاهم والانفتاح المتبادل».

حضور عالمي

وأكد معاليه أنه لا يُنظر إلى العلاقة بين الحضور العالمي للمؤسسات الثقافية والحفاظ على الهوية المحلية بوصفها معادلة توازن معقدة، بل باعتبارها انعكاساً طبيعياً لهوية أبوظبي ذاتها، فالثقافة في أبوظبي تُقدَّم بكامل امتدادها؛ من الجذور التراثية العميقة إلى التعبيرات المعاصرة، ومن المحلي إلى العالمي، ولكن دائماً من خلال رؤية تنطلق من روح هذا المكان، وتعكس خصوصيته الثقافية والحضارية.

وأردف معاليه: «نحن لا نعيد تقديم هويتنا للعالم بصيغة مستوردة، بل نشاركها من منظورنا الخاص، وبثقة تنبع من أصالتها. وهذا ما يميز التجربة الثقافية في أبوظبي؛ فهي منفتحة على العالم، لكنها لا تفقد صوتها الخاص، ولا تنفصل عن جذورها.

وبهذا المعنى، لا يصبح المتحف مساحة لحفظ وعرض الإرث الثقافي فحسب، بل تجسيداً حياً لهوية مستمرة ومتجددة. فعلى سبيل المثال، تمتد مجموعات متحف زايد الوطني لتغطي 300 ألف عام من التاريخ البشري، مستعرضة السردية الإماراتية بثقة وعمق وتفاعل، تخليداً لإرث الأب المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه».

وأوضح معاليه أنه على امتداد المنطقة الثقافية في السعديات، يُبنى هذا التوجه بصورة متكاملة، حيث تُقدَّم المعارض والمجموعات من منظور عربي راسخ، ليضع المنطقة ضمن سياقها الحضاري الأوسع.

وفي الوقت ذاته، تؤكد مؤسسات ثقافية مثل متحف العين، الذي أُعيد ترميمه وافتتاحه بعناية، على هذا التوازن بين الحماية والتجدد، ضمن موقع مُدْرَج على قائمة التراث العالمي لليونيسكو، بما يضمن صون الجذور الثقافية وإبقاء حضورها حياً ومؤثراً.

وأردف: «كما تؤدي الشراكات العالمية دوراً مهماً في تعزيز هذا المسار؛ إذ تتيح الوصول إلى أفضل الممارسات والمعايير الدولية في مجالات العرض، والحفظ، والإدارة. غير أن هذا الانفتاح لا يأتي على حساب الهوية، بل يعزز قدرتنا على تقديم تراثنا وثقافتنا بأعلى مستويات الجودة والاحترافية، وإبراز خصوصيتنا الثقافية».

وأكد معاليه أن ما يمنح أبوظبي حضورها الثقافي العالمي ليس التشابه، بل الأصالة، فالجمهور لا يبحث عن نسخة مكررة مما يراه في أماكن أخرى، بل عن تجربة تنبع من هوية واضحة، وذاكرة حية، ورؤية ثقافية متماسكة، والأصالة هنا ليست فقط ما نحافظ عليه، بل ما يمنحنا تميزنا وحضورنا المستدام على المستوى العالمي.

المشهد الثقافي

وعن المستقبل الثقافي في أبوظبي قال معاليه: «تعتمد المرحلة المقبلة من التطوير الثقافي في أبوظبي على تراكم أكثر من عقد من الاستثمار الاستراتيجي المتواصل في هذا القطاع، حيث أصبحت العديد من المشاريع الكبرى اليوم في مراحلها النهائية أو على أعتاب الاكتمال.

ويأتي الافتتاح المرتقب لمتحف جوجنهايم أبوظبي، إلى جانب التطوير المستمر لمشروع (سفير أبوظبي)، ليعكسا حجم الثقة التي توليها كبرى المؤسسات الثقافية والترفيهية العالمية للإمارة، وعمق الشراكات التي بُنيت على مدى سنوات طويلة.

ومع اقتراب اكتمال المنطقة الثقافية في السعديات، يمكن القول إن البنية التحتية الثقافية الأساسية للإمارة وصلت إلى مرحلة متقدمة من النضج والجاهزية.

لكن المرحلة المقبلة لن تتمحور حول البناء وحده، بقدر ما سترتكز على التكامل؛ فالأولوية اليوم هي ضمان عمل هذه المؤسسات ضمن منظومة ثقافية مترابطة، لا كوجهات منفصلة، بل كشبكة متكاملة من التجارب الثقافية المتصلة والمتفاعلة».

وتابع معاليه: «إن ذلك يتم من خلال برامج ومبادرات تربط بين المواقع، والجمهور، والتجارب، بحيث تصبح الثقافة رحلة ممتدة داخل المدينة والإمارة، وليست تجربة منفصلة أو محدودة بزمن ومكان.

وفي هذا السياق، ستؤدي المهرجانات، والمعارض، والفعاليات الكبرى دوراً متزايداً في تعزيز هذا الترابط، بما يخلق مساراً طبيعياً للتنقل بين المؤسسات، ويحوّل الزيارة الواحدة إلى تجربة ثقافية أوسع وأكثر عمقاً، فضلاً عن اضطلاع المؤسسات الثقافية اليوم بأدوار أكثر اتساعاً من كونها مساحات للعرض؛ فهي تتحول إلى منصات فاعلة لإنتاج المعرفة، ودعم الإبداع، وصناعة المحتوى الثقافي.

حيث توفر هذه المؤسسات بيئات داعمة للفنانين، والمصممين، والمبدعين من الإمارات والمنطقة، عبر برامج الإقامة الفنية، والتكليفات الإبداعية، والشراكات طويلة الأمد، بما يجعل البنية الثقافية جزءاً من إنتاج الثقافة وتجددها المستمر».

وأكد معاليه أن هذا النمو يمتد بصورة متوازنة على مستوى الإمارة بأكملها، فالعين والظفرة تمثلان جزءاً أصيلاً من الهوية الثقافية لأبوظبي، وليستا مجرد امتداد جغرافي، فقد استقبلت العين 473 ألفاً و100 زائر في عام 2025، بزيادة 9% مقارنة بالعام 2024، ما يعكس تنامي حضورها الثقافي والسياحي، مضيفاً:

«كما يُرتقب إطلاق استراتيجية ثقافية خاصة بمنطقة الظفرة في عام 2026، بما يعكس إدراكاً متزايداً لقيمتها التراثية والثقافية الفريدة».

وأوضح معاليه أنه على مستوى الإمارة، حضر أكثر من أربعة ملايين و200 ألف شخص فعاليات ثقافية وترفيهية خلال عام 2025، بزيادة 20% مقارنة بالعام 2024، مشيراً إلى أن هذه المؤشرات لا تعكس حجم المشاركة فقط، بل تعكس الأهم:

التحول النوعي في مفهوم الثقافة، التي أصبحت مكوّناً أساسياً من مكونات الحياة اليومية في أبوظبي، قائماً على الترابط، والتنوع، والجودة، وعليه فإن تركيز المرحلة المقبلة لن يكون على التوسع الكمي وحده، بل على بناء منظومة ثقافية شاملة ومستدامة، تصل إلى مختلف فئات المجتمع، وتوفر فرصاً أوسع للوصول والمشاركة، وتدعم المواهب الإبداعية، وتمكن كل منطقة من رواية قصتها الخاصة ضمن سردية ثقافية موحدة، تعكس هوية الإمارة وتستفيد من تنوعها الثري في الوقت ذاته.

مستقبل الصناعات الثقافية

وأوضح معاليه أن الصناعات الثقافية والإبداعية اليوم تطورت من كونها قطاعاً ناشئاً لتصبح أحد الأعمدة الأساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وذلك من خلال ما تتيحه من مسارات مهنية حقيقية ومستدامة، حيث كانت في السابق محدودة أو غير مرئية.

وقال معاليه: «نشهد جيلاً جديداً من الشباب الإماراتي يتجه بشغف نحو مجالات مثل التنسيق الثقافي، والحفظ، والتصميم، والفنون، وغيرها من التخصصات الإبداعية، مدعوماً بمنظومة تتسع وتترسخ باستمرار. وهذا التحول لا يقتصر على الأدوار المؤسسية التقليدية، بل يمتد ليشمل طيفاً واسعاً من الممارسات الإبداعية.

فالمصورون الفوتوغرافيون، ومصممو الجرافيك، وصناع المحتوى المرئي، والتربويون، والفنانون، جميعهم يجدون اليوم مساحات جديدة للنمو والتعبير الابداعي من خلال برامج ومبادرات ثقافية متنوعة».

وأكد أن ما تشهده أبوظبي في جوهره هو تشكّل منظومة إبداعية متكاملة، تتداخل فيها القطاعات وتتكامل، فالشركات الصغيرة والمتوسطة تستطيع الوصول إلى جمهور أوسع، والحرفيون يجدون فرصاً تتجاوز نطاق مجتمعاتهم المحلية، والمصممون يحصلون على منصات مادية ورقمية تتيح لهم تطوير أعمالهم وتوسيع أثرها.

وأضاف معاليه: «تجسد مبادرات مثل (بيت الحرفيين للتصميم) هذا التوجه بشكل عملي، حيث تُظهر كيف يمكن للحرف التقليدية أن تجد حياة جديدة من خلال ربطها بالأسواق المعاصرة، وكيف يمكن للمهارات التراثية أن تتحول إلى قيمة اقتصادية مستدامة، تسهم في تمكين الأجيال القادمة، دون أن تفقد أصالتها أو معناها الثقافي.

وفي موازاة ذلك، أسهم الاستثمار المستمر عبر السنوات في بناء عنصر أكثر عمقاً، وأقل ظهوراً، لكنه لا يقل أهمية، أنها شبكات الإرشاد، والتعاون، والدعم المؤسسي، التي تشكل الإطار غير المرئي الذي يمكن المبدعين من الاستمرار والتقدم على المدى الطويل. فهذه البنية التحتية الإنسانية والمعرفية هي ما يجعل المنظومة الإبداعية أكثر استدامة وقدرة على التطور».

وذكر معاليه أن هذا التطور أسهم في إعادة تشكيل النظرة المجتمعية ذاتها تجاه العمل في القطاع الثقافي والإبداعي، فلم يعد يُنظر إليه كمجال ثانوي، بل كمسار مهني جاد ومجدٍ، مبني على المهارة، والقيمة، والاستمرارية.

وأضاف: «أصبح الآباء اليوم أكثر إدراكاً لأهمية هذه المسارات، وأكثر دعماً لأبنائهم في اختيارها. فعندما تصبح الثقافة مصدراً للفرص الاقتصادية، ووسيلة لتنمية المواهب، وأداة لحماية التراث في آن واحد، فإنها تتحول إلى نموذج متكامل للنمو الشامل والمستدام، يربط بين الإنسان، والاقتصاد، والهوية.

انتماء الأجيال

وعن الدور الجوهري الذي تلعبه الثقافة في أبوظبي في تعزيز الشعور بالانتماء لدى الأجيال الجديدة، أكد معاليه أن الثقافة ليست نشاطاً منفصلاً عن الحياة اليومية، بل جزء متجذر في نسيجها، يظهر في الأماكن العامة، وفي طريقة تفاعل الأفراد مع محيطهم، فبالنسبة للشباب على وجه الخصوص، تمثل الثقافة إطاراً أساسياً لتكوين الهوية، وبناء فهم أعمق للذات، ولمكانهم في العالم. وتابع معاليه:

«ففي عالم يتسارع فيه إيقاع العولمة، تصبح المؤسسات الثقافية في الإمارات مساحة توازن دقيقة بين الانفتاح على العالم وترسيخ الجذور. فهي لا تكتفي بتقديم الهوية الوطنية، بل تضعها في سياق إنساني أوسع، يربط المحلي بالعالمي، ويجعل من الهوية الإماراتية جزءاً فاعلاً من الحوار الثقافي العالمي».

وأشار معاليه إلى متحف زايد الوطني كمثال واضح على هذا النهج، حيث يعرض قصة تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة، والقيم التي تأسست عليها، إلى جانب إرث الأب المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بطريقة تعزز مشاعر الفخر الوطني، وتعمّق الفهم لدى الأجيال الجديدة، دون أن تنفصل عن السياق الإنساني الأشمل.

وأوضح أنه بالمنطق نفسه  تتيح مؤسسات مثل متحف التاريخ الطبيعي أبوظبي للأطفال والشباب فرصة فهم تاريخ كوكب الأرض من منظور يربطهم ببيئتهم ومكانهم، فهو يقدم لهم الأرض، والنظام البيئي، والتاريخ الطبيعي ضمن رؤية أوسع وأكثر ترابطاً، تجعل المعرفة العلمية امتداداً للفهم الثقافي والهوية المحلية في آن واحد.

ولفت إلى أن بيت العائلة الإبراهيمية يجسد القيم الوطنية الأساسية لدولة الإمارات، وفي مقدمتها التسامح، والتعايش، والحوار، بطريقة تتجاوز الإطار المحلي لتصل إلى خطاب إنساني عالمي يجد صداه لدى مختلف الثقافات، مضيفاً:

«وعبر هذه المؤسسات مجتمعة، يتشكل سرد ثقافي متكامل يعكس إرث دولة الإمارات بعمق وترابط وأصالة، ويقدمه كهوية واضحة وراسخة، لكنها في الوقت ذاته حية ومتطورة، تتجدد مع الزمن دون أن تفقد جذورها.

وبهذا تصبح الثقافة تجربة معيشة، لا معرفة نظرية فقط، ويكبر الشباب وهم يرون تراثهم جزءاً من قصة مستمرة تضرب بجذورها في تاريخ أصيل. وعلى هذا الأساس الراسخ يتحول الانفتاح العالمي من تحدٍ إلى فرصة.

فحين يمتلك الجيل الجديد هوية واضحة ومتماسكة، يصبح أكثر قدرة على التفاعل مع العالم بثقة ووعي، دون أن يفقد وضوح هويته أو ارتباطه بجذوره.

وهذا التوازن بين الأصالة والانفتاح هو، في جوهره، ما تقدمه المنظومة الثقافية المتكاملة القادرة على بناء أجيال منفتحة على العالم من موقع الشريك القوي الفخور بهويته. المنتمي لمجتمعه وتراثه».

حجم الاستثمار الثقافي 

وأكّد معالي محمد خليفة المبارك أنّ حجم الإحصائيات المسجلة خلال عام 2025 يعكس بوضوح الزخم الهائل الذي يشهده القطاع الثقافي في أبوظبي، ليس فقط من حيث النمو الكمي، بل أيضاً من حيث جودة التجربة واتساع أثرها، فقد استقبلت الإمارة رقماً قياسياً بلغ 26 مليوناً و600 ألف زائر خلال العام، من بينهم 8 ملايين و600 ألف زائر للمواقع الثقافية والتراثية، محققة نمواً بنسبة 51% على أساس سنوي، في حين استقر معدل رضا الزوار عند مستوى 96%.

وأشار معاليه إلى أنّ هذا التوازن بين التوسع في الوصول والحفاظ على جودة التجربة يعكس بوضوح الاتجاه الاستراتيجي الذي تعمل عليه المنظومة الثقافية في أبوظبي؛ فالمستهدف ليس زيادة الأعداد فقط، بل تعميق العلاقة بين الزائر والمكان، وبين المجتمع ومؤسساته الثقافية.

وأردف: «فبمعاينة مستوى المؤسسات، تتضح الصورة بشكل أكثر تفصيلاً. فقد استقبل متحف اللوفر أبوظبي مليوناً و400 ألف زائر، بينما استقطب قصر الحصن أكثر من 843 ألف زائر، محققاً نمواً بنسبة 22% مقارنة بالعام السابق.

كما شهد (تيم لاب فينومينا أبوظبي)، الذي افتُتح في أبريل 2025، إقبالاً لافتاً تجاوز 700 ألف زائر خلال عامه الأول، بما يعكس قدرة التجارب الثقافية الجديدة على جذب جماهير متنوعة بسرعة».

وأوضح معاليه، أن افتتاح خمس جهات جديدة بين مؤسسات ومتاحف، خلال عام واحد، وهي: متحف التاريخ الطبيعي أبوظبي، ومتحف زايد الوطني، وتيم لاب فينومينا أبوظبي، ومتحف العين، ومتحف المقطع؛ يعكس حجم الطموح وسرعة التنفيذ في تطوير البنية التحتية الثقافية في أبوظبي.

وأشار أنه على مستوى الإمارة ككل، استقبلت الفعاليات الثقافية والترفيهية أكثر من أربعة ملايين و200 ألف مشارك، خلال عام 2025، بزيادة قدرها 20%، مقارنة بعام 2024، موزعين على 115 برنامجاً ثقافياً متنوعاً، موضحاً:

«وهذه الأرقام لا تعكس حجم النشاط فقط، بل تشير كذلك إلى درجة متقدمة من الترابط بين المؤسسات والجمهور، حيث تتجلى الثقافة كتجربة حية ومستمرة.

وفي المحصلة، تُظهر هذه المؤشرات أن الاستثمار الثقافي في أبوظبي لم يعد يُقاس فقط بعدد المؤسسات أو حجم الإنفاق، بل بقدرته على خلق قيمة اقتصادية واجتماعية متكاملة.

فهو يسهم في تنويع الاقتصاد، ويدعم خلق فرص العمل، ويعزز مكانة القطاع الثقافي كأحد المكونات الأساسية لاقتصاد مستدام قائم على المعرفة والإبداع، حيث تتقاطع الثقافة مع التنمية في مسار واحد طويل الأمد».

مدينة ثقافية

وفي ضوء التّحولات السريعة التي يشهدها العالم، أكد معاليه أن أبوظبي مدينة تقوم في جوهرها على مبدأ الاستمرارية وعمق الأثر، حيث لا يُنظر إلى الحاضر بمعزل عن المستقبل، بل بوصفه جزءاً من مسار ممتد تُبنى فيه الأسس لصالح الأجيال القادمة، ومن هذا المنطلق، تُصمَّم المؤسسات الثقافية اليوم لتكون ركائز مستدامة تسهم في تشكيل الوعي، وترسيخ القيم، وصناعة أثر يمتد وينمو ويتطور على نحو مستدام.

ومع استمرار هذا المسار، تتطور أبوظبي وفق رؤية متجذرة شكّلت بوصلة التنمية الثقافية عبر العقود، تقوم على النمو المتدرج، وتراكم الخبرات المؤسسية، وتعميق العلاقة مع المجتمع.

وتابع: «هذا ما سيجعل حضور المؤسسات الثقافية أكثر رسوخاً في الحياة اليومية للأفراد، بحيث لا تكون الثقافة تجربة منفصلة، بل جزءاً طبيعياً من نمط الحياة داخل الإمارة. ومع هذا الترسخ، ستزداد هذه المؤسسات تأثيراً وارتباطاً بالمجتمع، بما يعزز أيضاً دورها الاقتصادي، ويمنحها قدرة أكبر على المساهمة في النقاشات العالمية حول الثقافة كعنصر أساسي في التنمية المستدامة».

وأشار معاليه إلى أنه على مدى السنوات الماضية أثبتت أبوظبي جدارة نموذجها الثقافي القائم على المرونة والالتزام طويل الأمد. فهذه المرونة لم تنشأ عفوياً، بل جاءت نتيجة لجهود استثمار متواصلة في الإنسان، والمؤسسات، والهوية.

وهذا الأساس يمنح الإمارة قدرة على التكيف مع التحولات العالمية المتسارعة دون فقدان الاتجاه، ويعزز في الوقت ذاته مصداقيتها كفاعل ثقافي قادر على الإسهام في صياغة الحوار الدولي حول الثقافة والتنمية من موقع واثق ومتزن.

واختتم حديثه: «خلال السنوات العشر المقبلة يمكن تصور أبوظبي كمشهد ثقافي أكثر ترابطاً وعمقاً، تشكل فيه المؤسسات الثقافية ثوابت حية، والإطار المرجعي للهوية، والمعرفة، والإبداع. كما يتوقع أن يصبح الاقتصاد الإبداعي أحد الأعمدة الرئيسية للنمو المتنوع، ليس فقط كمجال اقتصادي، بل كمنظومة متكاملة تربط بين الثقافة، والابتكار، والمجتمع، والاقتصاد».