تواصل الدورة الـ 35 من معرض أبوظبي الدولي للكتاب، الذي ينظمه مركز أبوظبي للغة العربية، ويستمر حتى 18 سبتمبر، تحت شعار «لنقلبَ الصفحة ونقرأَ العالم»، رسم مشهد ثقافي نابض بالحياة، يجمع بين المعرفة والإبداع، ويربط عبق الماضي بآفاق المستقبل وعوالم الفضاء، مقدّمةً برنامجاً حافلاً بالفعاليات والجلسات الفكرية، إلى جانب إصدارات جديدة وتجارب تفاعلية. ويفتح المعرض نوافذ واسعة على الثقافة والتاريخ والتراث، عبر محتوى متنوع يجمع بين القراءة والاستكشاف.
وأكد معالي الدكتور سلطان بن سيف النيادي وزير دولة لشؤون الشباب، خلال جلسة بعنوان «الفضاء منظومة وطنية للابتكار»، أن الإنجازات التي حققتها دولة الإمارات في قطاع التكنولوجيا والفضاء، ثمرة دعم ورعاية القيادة الرشيدة، ورؤية استراتيجية للمغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيّان، طيّب الله ثراه، التي وضعت بناء الإنسان والاستثمار بالمعرفة، في صميم مسيرة التنمية.
وأشار إلى أن علاقة دولة الإمارات بالفضاء ليست حديثة، مستحضراً البدايات التي تعود إلى عهد الأب المؤسس المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه»، ولقائه بروّاد مهمة «أبولو»، وما عكسته تلك الرؤية من إيمان مبكّر بأن العلم والمعرفة يشكلان أساساً لمستقبل الدولة.
وأوضح معاليه أن مسيرة دولة الإمارات في مجال الفضاء، تمتد لنحو عقدين، وخلال هذه المسيرة، استفادت الدولة من التجارب والخبرات العالمية، ثم عملت على تطويرها، وبناء قدراتها الخاصة، ومواكبة التحولات العلمية والتكنولوجية المتسارعة.
وتحدث النيادي عن تجربته في الاستعداد لمهمة «طموح زايد 2»، التي خاضها على متن محطة الفضاء الدولية، موضحاً أن التدريب استغرق خمس سنوات، وشمل مجالات متعددة، من الطيران وأنظمة الفضاء والروبوتات، إلى مهارات البقاء ضمن منظومة استكشافية متكاملة، مؤكداً أن رحلة الانتقال من مهندس إلى رائد فضاء، ثم إلى وزير، تمثل مساراً متواصلاً من التعلّم والتحدي.
وأوضح معاليه أن مشروع «مسبار الأمل» لم يكن هدفه الوصول إلى المريخ فحسب، بل تحريك منظومة متكاملة داخل الدولة، ورفع سقف الطموح أمام القطاع الصناعي والأكاديمي، وإتاحة المجال أمام الكفاءات الإماراتية للمشاركة في مشروع علمي عالمي.
وأشار إلى أن دولة الإمارات واحدة من ثلاث دول أطلقت مهمة إلى المريخ في ذلك التوقيت، إلى جانب الولايات المتحدة والصين، في إنجاز عكس قدرة الدولة على الدخول إلى مجالات علمية وتقنية متقدمة، خلال فترة زمنية قصيرة، مؤكداً أن الطموح الذي بدأ مع الشيخ زايد، طيب الله ثراه، وصل اليوم إلى القمر.
وتطرّق معاليه إلى العلاقة بين اقتصاد المعرفة واقتصاد الفضاء، موضحاً أن الفضاء يمثل مجالاً واسعاً، يمكن أن يتحول إلى مشروع اقتصادي ناجح، إذا تم التخطيط له بصورة صحيحة، والاستفادة من تطبيقاته في قطاعات متعددة، من التخطيط العمراني والمدن، إلى دراسة التغير المناخي والاتصالات والملاحة.
ولفت معاليه إلى أن تطوير صناعة الأقمار الاصطناعية فتح المجال أمام الشركات المحلية والأجنبية للمشاركة في هذه الصناعة، وابتكار المزيد من تقنياتها، وتصدير منتجاتها وخدماتها إلى الأسواق الخارجية، بما يعزّز حضور دولة الإمارات ضمن المنظومة الدولية لقطاع الفضاء، وهو ما برز في تطوير القمر الاصطناعي محمد بن زايد سات، حتى إن 90 % من مكوناته مصنّعة داخل دولة الإمارات، ما يعكس تطوّر القدرات الوطنية في قطاع الصناعات الفضائية.
وفي حديثه عن استكشاف القمر، أشار النيادي إلى أن مهمة المستكشف «راشد 2» ستشكل نقلة نوعية في قطاع الفضاء الإماراتي، حيث سيتم إطلاقه نحو الجانب البعيد من القمر، في خطوة محورية في مسيرة دولة الإمارات نحو تحقيق طموحاتها في استكشاف القمر.
وأكد أن البيئة التي أسستها الدولة منذ إطلاق برنامج الإمارات الوطني للفضاء، أصبحت خصبة للاستثمار في العقول، وتطوير الشركات والجامعات ومراكز البحث، وتحويل المعرفة إلى منتجات ومشاريع قابلة للنمو.
ووجّه معاليه رسالة لشباب الإمارات، أكد فيها أن فهم توجهات الدولة، واستشراف الواقع الجديد، وتطوراته، والاستجابة لتوجيهات القيادة الرشيدة، بما يتعلّق بمجالات مثل الذكاء الاصطناعي وتقنيات النانو، سيفتح آفاقاً جديدة أمامهم، ويجعلهم قادرين بشكل أكثر فاعلية على استشراف المستقبل والتأثير فيه.
ويحتضن المعرض نحو 1500 فعالية، تتوزع على ثلاثة محاور رئيسة، هي الثقافة العالمية والحوار الحضاري، والابتكار وصناعة المستقبل، والفنون والتجارب الثقافية الحية، بمشاركة عارضين من 95 دولة، ونخبة من الأدباء والأكاديميين والفنانين من مختلف أنحاء العالم.
«أول إصدار»
من جهة أخرى، كرم معالي عبد الله بن محمد بن بطي آل حامد رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، خلال فعاليات معرض أبوظبي الدولي للكتاب، الفائزين في الدورة الأولى من برنامج «أول إصدار»، الذي أطلقته الهيئة خلال النسخة الرابعة والأربعين من معرض الشارقة الدولي للكتاب، بهدف تمكين المحتوى المحلي، ودعم المواهب الإماراتية الصاعدة، وتحويل أعمالهم الأولى إلى إصدارات تصل إلى القراء.
يأتي «أول إصدار» في إطار مستهدفات الهيئة لتطوير منظومة متكاملة لدعم المحتوى الإماراتي، من خلال الشراكة مع دور نشر وطنية، وتوفير الدعم الكامل لنشر الأعمال الأولى للمواهب الإماراتية، بما يشمل مجالات القصة القصيرة، والرواية، والشعر، وأدب الأطفال، والكتابات الإبداعية، والدراسات التوثيقية، وغيرها.
وقال معالي عبد الله آل حامد إن «أول إصدار»، يأتي امتداداً لرؤية دولة الإمارات وتوجيهات قيادتنا الرشيدة بتمكين المواهب الوطنية، وتحويل الإبداع إلى قيمة مستدامة، تسهم في بناء اقتصاد معرفي وإبداعي متنوع.
وأضاف: «نحرص على أن تجد أفكار المبدعين طريقها إلى القارئ، وأن تتوافر لهم الأدوات والدعم اللذان يساعدان على بدء مسيرتهم نحو الاحتراف، ضمن منظومة متكاملة، تمتد من الفكرة إلى النشر».
وأكد أن دعم المحتوى المحلي هو استثمار في الإنسان، وقدرة أبناء الإمارات على إنتاج المعرفة وصناعة المحتوى، الذي يعكس تنوع مجتمعنا وثراء تجربتنا.. موضحاً أن ما يميز «أول إصدار»، أنه لا يكتفي بمنح المبدعين فرصة الوصول إلى القارئ، بل يفتح أمامهم مساراً متكاملاً، يحول الموهبة إلى منتج إبداعي قابل للتطوير والانتشار، ويعزز الشراكة مع دور النشر الوطنية، بما يسهم في بناء منظومة أكثر حيوية وتنافسية، ويضيف إلى الاقتصاد الإبداعي قيمة جديدة، تنطلق من المواهب الإماراتية.
ونوه معاليه بأن تكريم الفائزين في الدورة الأولى، يمثل بداية لمسارات إبداعية جديدة، وليس محطة ختامية، وقال: «نتطلع إلى أن تصبح هذه التجارب الأولى نقطة انطلاق لإصدارات ومشاريع أدبية ومعرفية أكثر تنوعاً في المستقبل».
مشاركات
وضمن مشاركتها في فعاليات الدورة الـ 35 لمعرض أبوظبي الدولي للكتاب 2026، أطلقت مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة مجموعة من إصداراتها الجديدة في عدة مجالات أدبية، والتي تضمنت الرواية والنقد الأدبي وأدب الطفل.
وتأتي هذه الإصدارات في إطار سعي المؤسسة المستمر نحو تعزيز اللغة العربية، وإثراء المكتبة العربية بمختلف مجالات الإنتاج الفكري، بما يعزز حركة الكتابة والنشر في المنطقة العربية، ويتيح للباحثين والمهتمين نطاقاً واسعاً من المراجع النوعية، إضافة إلى تشجيع القراءة لدى مختلف فئات المجتمع، وترسيخها عادة يومية.
وشملت الإصدارات رواية «الهَاجِرة» لمؤلفتها أسيل العزازمة. كما ضمت كتاب «أرى ما أريد: الاتساق والانسجام في الخطاب الشعري العربي – محمود درويش نموذجاً»، من تأليف هبة فوزان خلّاف. إضافة إلى كتاب: «أقنعة الذات في الرواية الإماراتية المعاصرة: قراءة تفكيكية في نماذج مختارة»، لمؤلفه الدكتور ليث سعيد الرواجفة، وكتاب «شعرية الحضور والغياب في الشعر الإماراتي المعاصر: قراءة تفكيكية في نماذج مختارة»، للدكتورة أسماء رأفت عليان.
وعلى صعيد أدب الطفل، ضمت الإصدارات مجموعة أعمال متميزة وملهمة، منها قصة «عندما صمتت الألوان»، من تأليف ورسوم أحمد البهلولي، و«كعكة بلا حساب»، من تأليف مريم جمعة ورسوم عائشة بنت خليفة، و«نصف ليمونة»، من تأليف لطيفة الكتبي ورسوم أسماء عوض، و«صياد العجائب»، من تأليف هند الخوري ورسوم خديجة الموسوي.
وتتحول مشاركة متحف زايد الوطني، في معرض أبوظبي الدولي للكتاب، إلى مساحة تعليمية وتفاعلية، تقرب تاريخ دولة الإمارات وتراثها من الأطفال واليافعين، عبر برنامج يجمع بين القصة والمقتنيات التاريخية والفنون والأنشطة الإبداعية.
ويقدم المتحف، خلال مشاركته في المعرض، نموذجاً لتقديم التاريخ بأساليب معاصرة، لا تكتفي بسرد المعلومات، بل تتيح للطفل اكتشافها والتفاعل معها، وتحويلها إلى تجربة عملية ترتبط بالقراءة والرسم واللمس وصناعة النماذج.
ويستند البرنامج إلى عدد من مقتنيات متحف زايد الوطني وإصداراته الموجهة للأطفال، ليقدم موضوعات من تاريخ الإمارات وتراثها، في قوالب مبسطة وقريبة من اهتمامات الأجيال الناشئة.
ويقدم معهد الشارقة للتراث لجمهور المعرض جانباً من رصيده المتنامي من الإصدارات التراثية، التي تجاوزت 1250 عنواناً، تنوعت موضوعاتها بين التراث الإماراتي والعربي والعالمي.
وناقشت جلسة أقيمت ضمن فعاليات الحدث، إسهامات شخصية المعرض المحورية، الخليل بن أحمد الفراهيدي، في اللغة العربية، وتأليفه «كتاب العين»، أول معجم للغة العربية، وتأسيسه علم العروض، استناداً إلى منهجية سبّاقة، وضعته في مصاف أبرز علماء اللغة العرب على مر العصور.
شارك في الجلسة التي حملت عنوان «الفراهيدي وحكاية أول معجم عربي»، الدكتور محمد عثمان الخليل أستاذ علوم اللغة العربية جامعة نيويورك- أبوظبي، والدكتور بلال الأرفه لي أستاذ اللغة العربية والدراسات الإسلامية جامعة نيويورك- أبوظبي، والدكتور خليل الشيخ مدير إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية مركز أبوظبي للغة العربية.
ونظمت مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية الاثنين (14 سبتمبر)، في معرض أبوظبي الدولي للكتاب، بالتعاون مع مركز أبوظبي للغة العربية، ندوة موسيقية – ثقافية، محورها كتاب واحد: «نصف حليم الآخر.. عبد الحليم حافظ: المعارك الفنية والمواقف الإنسانية»، للكاتب الصحافي عادل السنهوري.
واستهلت دورة هذا العام من المعرض بحفل نوعي، مزج الذاكرة بالهوية، ضمن توليفة من الفنون البصرية، والأغنيات الوطنية.
ورصد الحفل، بأوتار الموسيقى الإماراتية، عبق التاريخ، مشكّلاً لوحة فنية جمعت بين أصالة الماضي وتطلعات المستقبل.
وربط الحفل فكرة المعرض بطموح دولة الإمارات منذ تأسيس الاتحاد، وافتتاح أولى دوراته في عام 1981، على يد المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، واستعرض الدول التي حلت عليه كضيوف شرف، وأهم الشخصيات العربية والقامات التي احتفى بها المعرض كشخصيات محورية، في استعادة لمسيرة حافلة بالعطاء والإنجاز الثقافي.
وشهد الحفل عرضاً مصوراً، تحدّث خلاله عدد من الشعراء والفنانين الإماراتيين عن أهمية الأغنية الوطنية الإماراتية، ومسيرة تطورها، ودورها في التعبير عن مشاعر الحب والوفاء للوطن، فيما تناول الضيوف مكانة الأغنية الوطنية ومستقبلها، وأثرها في صون الهوية الإماراتية.
وتوّج الحفل، وللمرة الأولى في تاريخ المعرض، بمسرحية من تقديم جمعية ياس للثقافة والفنون، حملت عنوان «مجاز الخليل الفراهيدي: أسطورة الحب والبقاء»، تناولت قصة مؤسس علم العروض والمعاجم؛ العالم اللغوي العربي الشهير، الخليل بن أحمد الفراهيدي، الذي اختاره المعرض شخصية محورية لهذه الدورة، في تجسيد حيّ، ربط جيل اليوم بجذور لغته العربية، ليتسنى له أن يبني على منجزه الملهم نجاحاته اللاحقة.


