- آن الأوان لنقل النتاج الأدبي الإماراتي والعربي إلى المشهد الثقافي العالمي
- التكنولوجيا بوابة إلى الكتاب لا بديلاً عنه
- نجاح التقنية الثقافية يُقاس بقدرتها على أن تجعل طفلاً يحب قراءة كتاب
- التكريم مسؤولية مستمرة للاستثمار في الكتاب والأدب والثقافة
دبي ــ البيان
من الإمارات، حيث تحوّلت الثقافة إلى مشروعٍ مستدام لبناء الإنسان ومدّ جسور التواصل مع العالم، تواصل مؤسسة الإمارات للآداب ترسيخ حضورها بوصفها جسراً بين الأدب العربي والمشهد الثقافي العالمي.
وبعد مسيرة حافلة باستضافة كبار الأدباء والمفكرين والناشرين من مختلف أنحاء العالم، يأتي الفوز بجائزة الشيخ زايد للكتاب 2026 في فرع النشر والتقنيات الثقافية ليمنح هذه المسيرة دفعة جديدة، ويطرح في الوقت نفسه أسئلة أكبر حول مستقبل الكتاب، ومستقبل القراءة، وحدود الدور الذي يمكن أن تؤديه التكنولوجيا في صناعة المشهد الثقافي.
ففي زمن تتسارع فيه الخوارزميات، ويختصر فيه الذكاء الاصطناعي الوصول إلى المعلومة في ثوانٍ، تبدو مهمة المؤسسات الثقافية أكثر تحدياً: كيف نحافظ على متعة القراءة وعمقها، ونستخدم التكنولوجيا في الوقت ذاته لجعل الكتاب أكثر حضوراً في حياة الأجيال الجديدة؟ وكيف يمكن تحويل ما راكمته الإمارات من خبرة وشبكات ثقافية إلى منظومة قادرة على دفع الأدب الإماراتي والعربي إلى آفاق عالمية، من دون أن يفقد خصوصيته وصوته؟
من هنا، لا تبدو الجائزة مجرد محطة للاحتفاء بما تحقق، بل لحظة للتفكير فيما ينبغي أن يأتي بعدها؛ إذ إن قيمة التكريم الحقيقي تكمن في قدرته على فتح أبواب جديدة للطموح والعمل. وفي هذا الحوار، نتوقف عند ما بعد الجائزة: عند مستقبل النشر والتقنيات الثقافية، وفرص الأدب الإماراتي والعربي في الوصول إلى القراء حول العالم، وكيف يمكن للتكنولوجيا أن تكون جسراً إلى الكتاب لا بديلاً عنه، وصولاً إلى السؤال الأهم: بعد مسيرة ثقافية حافلة، كيف يسهم الفوز بجائزة تحمل اسم الشيخ زايد في فتح فصل جديد من النمو والتأثير لمؤسسة الإمارات للآداب؟
كل هذه التساؤلات تجيب عليها إيزابيل بالهول، المؤسسة والمستشارة وعضو مجلس أمناء مؤسسة الإمارات للآداب في حوارها مع «البيان».
مسار طبيعي
أكدت إيزابيل بالهول، المؤسسة والمستشارة وعضو مجلس أمناء مؤسسة الإمارات للآداب، أن فوز المؤسسة بجائزة الشيخ زايد للكتاب لعام 2026 عن فرع «النشر والتقنيات الثقافية» يُمثّل مساراً طبيعياً لتطور جهود المؤسسة في دعم الأدب والثقافة؛ مشيرة إلى أنه بعد سنوات حافلة بالاستقطاب الثقافي واستضافة نخبة المفكرين والكتّاب والناشرين من مختلف أنحاء العالم في دولة الإمارات، آن الأوان لنقل النتاج الفكري والأدبي المُصنّع محلياً إلى المشهد الثقافي العالمي.
وأوضحت بالهول أن المشهد الأدبي في الإمارات يبعث على الفخر والاعتزاز؛ إذ شهدت المنطقة منذ ستينيات القرن الماضي تحولاً جذرياً في بنيتها الثقافية، حتى بات يمتلك جيلٌ من الأدباء الإماراتيين والعرب رؤى تستحق الوصول إلى القرّاء حول العالم عبر دعم قادر على إيصال أصواتهم.
شرط العالمية
وشددت بالهول على أن الوصول إلى العالمية لا يعني إطلاقاً تغيير نمط الأدب العربي والإماراتي ليطابق غيره، بل إن قيمته الحقيقية تكمن في خصوصيته، وفي تاريخه وتحولاته المجتمعية والمنظور الخاص للكاتب. وقالت: «إن الهدف ليس تعديل صوت الكاتب ليلائم الآخرين، بل توفير الأدوات التي تتيح للعالم الاستماع إلى هذا الصوت كما هو».
ولفتت إلى أهمية وجود منظومة متكاملة تجمع بين الترجمة الرصينة، والوصول إلى منافذ النشر الدولية، وتوظيف النشر الرقمي والصوتي لبناء بيئة عمل ملموسة تدعم الكاتب في كل مرحلة، مؤكدة أن دولة الإمارات أثبتت قدرتها الدائمة على العمل كجسر يصل الثقافات، وجاء الوقت لتسخير خبرتها التراكمية في خدمة الأدب.
وأضافت أن المبادرات الثقافية، وفي مقدمتها جائزة الشيخ زايد للكتاب، ترفع سقف الطموح ليكون تواجد الكتاب العربي والإماراتي في العواصم العالمية أمراً طبيعياً وسائداً.
التكنولوجيا والقراءة
وحول المنافسة مع الذكاء الاصطناعي التوليدي وخوارزميات المعرفة السريعة، دعت بالهول إلى عدم النظر إلى التكنولوجيا والقراءة باعتبارهما في حالة منافسة، مؤكدة أنه بالرغم من قدرة الذكاء الاصطناعي على تقديم المعلومة في ثوانٍ، إلا أنه يعجز عن اختصار تجربة قراءة رواية جيدة أو منح الوقت للعيش مع فكرة أو قصة.
وبيّنت أن مهمة المؤسسة تكمن في تذكير الأطفال والشباب بقيمة التوقف لقراءة قصة كاملة وإطلاق العنان للمخيلة، مع ضرورة التحلي بالواقعية واستخدام الأدوات الرقمية التي يفضلها هذا الجيل لتكون طريقاً يقوده إلى الكتاب.
وأشارت إلى أن التقنيات الحديثة يمكنها تسهيل اكتشاف الكتب وربطها بالصوت والصورة والمواد التفاعلية، شرط ألا تحل محل الكتاب.
وأكدت بالهول أن دولة الإمارات تمتلك المقومات كافة للريادة في هذا المجال، لكون مؤسساتها الثقافية قامت على مبدأ تطور الثقافة مع المجتمع، مشيرة إلى أن التحدي الحقيقي يكمن في الإجابة عن سؤال محوري: «هل جعلنا طفلاً يحب قراءة كتاب؟ وهل ساعدنا شاباً على اكتشاف كاتب جديد؟».
ما بعد التكريم
وفي سياق الحديث عن الأثر المستقبلي للجائزة، بيّنت بالهول أن أهم لحظة بالنسبة لأي مؤسسة هي «اليوم التالي للجائزة»، حيث يتوجب العودة للعمل بتفكير أعمق حول كيفية تقديم الأفضل.
ونوهت بالهول بالمكانة الاستثنائية والقيمة الرمزية العميقة التي تكتسبها الجائزة لحملها اسم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وتخليدها لرؤيته السامية؛ حيث كان يرى في الكتاب والأدب والثقافة ركائز أساسية لبناء الإنسان والمجتمع.
واختتمت بالهول بالقول إن الاحتفاء بالمنجز الثقافي يمتد ليكون التزاماً بالنهج نفسه ومسؤولية مستمرة نحو الاستثمار في الكتاب لضمان وصول أثره للأجيال القادمة، مؤكدة أن الطموح الأكبر هو أن يُنظر إلى هذه الجائزة باعتبارها نقطة انطلاق لمرحلة أكثر ثراءً ودافعاً لرفع مستوى التوقعات ومواصلة دعم الثقافة بالأساليب الأمثل.


