«إلا جدتك كانت تغني».. جدلية الصوت والعار والذاكرة

في روايتها «إلا جدتك كانت تغني»، تنبش الروائية صالحة عبيد طبقات من الذاكرة الخليجية ظلت طي الكتمان، تروي كيف يتحول صوت المرأة، من فن تحتفي به الجماعة إلى وصمة تطارد صاحبته، فالعنوان نفسه إقرار متأخر، ومفارقة تختصر علاقة المجتمع الملتبسة بالفن، يستدعيه في لحظة الفرح، ثم يتنكر لأصحابه حين ينتهي، وتكشف الكاتبة في روايتها الصادرة بدعم من وزارة الثقافة ضمن البرنامج الوطني لمنح الثقافة والإبداع، كيف تحولت الذاكرة الشفوية الشعبية، بما تحمله من غناء وصمت وأسرار، إلى نسيج روائي حي تتقاطع فيه أسئلة الفن والجسد والإرث والهوية.

عنوان وُلد من مفارقة

تحدثت صالحة عبيد عن نشأة عنوان الرواية، موضحة أنه وُلد من مفارقة أن تكون الجدة حاضرة في الذاكرة العائلية بينما يظل صوتها غائباً عنها، أو يُستعاد بوصفه سراً محرجاً لا جزءاً أصيلاً من تاريخ العائلة، ولفتت إلى أن عبارة «إلا جدتك كانت تغني» تحمل نبرة كلام شفوي عابر قد يُقال غمزاً أو ككشف متأخر لشيء كان ينبغي ألّا يُقال، وهو التباس تعمّدت الإبقاء عليه كي لا تمنح القارئ حكماً جاهزاً، بل تضعه مباشرة أمام سؤال جوهري، لماذا يمكن لموهبة امرأة وصوتها أن يتحولا، بمرور الزمن، إلى وصمة؟

وأضافت أن الجدة في الرواية ليست شخصية من الماضي فحسب، بل ذاكرة لها صوت لم ينتهِ بانتهاء حياتها، وأن ما أرادت فتحه عبر العنوان هو العلاقة بين ما تورّثه العائلات علناً وما تخفيه، وبين الذاكرة بوصفها فعل اختيار من نسمح له بأن يبقى في الحكاية، وبأي صورة؟

طاقة سردية

وحول توظيف الغناء الشعبي في النص، أكدت الكاتبة أنها كانت حريصة منذ البداية على ألّا تتحول الرواية إلى مستودع معلومات أو تعرض الغناء الشعبي بوصفه مادة فولكلورية فحسب، وبيّنت أن هدفها لم يكن شرح الأغنية الشعبية للقارئ، بل إدخاله إلى العالم الذي أنتجها، من خلال العلاقات الاجتماعية المحيطة بها، والأجساد التي أدّتها، والبيوت التي استقبلتها، والفرح الذي استدعاها، والوصمة التي لحقت بأصحابها بعد انتهاء الفرح.

وأوضحت أنها تعاملت مع المادة البحثية باعتبارها طبقة عميقة تحت السرد، لا شيئاً ينبغي إظهاره في كل صفحة، إذ كان عليها أن تعرف أكثر مما ستكتبه، ثم تترك المعرفة تتسرب إلى الشخصيات والمشاهد واللغة بصورة طبيعية، وشددت على أن الأغنية حين تدخل الرواية لا تدخل بوصفها وثيقة صامتة، بل باعتبارها حدثاً يغيّر مزاج المكان ويستدعي ذاكرة ويكشف علاقة قوة أو يفتح جرحاً، وعندها فقط تصبح الموسيقى طاقة سردية لا مجرد موضوع للسرد.

رغبات وتناقضات

وعن شخصية عذيجة، الحاملة للتراث الغنائي والمثقلة بوصمة المهنة، قالت صالحة إن تفكيك صورة المرأة المغنية في المخيال الاجتماعي ومساءلة علاقة المجتمع الملتبسة بالفن أمران متداخلان لا يمكن الفصل بينهما، فالمجتمع يحتاج إلى صوت المرأة كي يكتمل فرحه، لكنه قد يتنصل منها بعد انتهاء المناسبة، يستدعيها إلى قلب المشهد ثم يعيدها إلى الهامش، وينتفع من فنها من دون أن يمنحها دائماً المكانة التي توازي ما قدمته.

ولهذا السبب، بحسب الكاتبة، لم تُرِد أن تظهر عذيجة بوصفها رمزاً مثالياً أو ضحية مكتملة، بل امرأة ذات رغبات وتناقضات وأخطاء، وأشارت إلى أن المهنة في الرواية لا تمنح عذيجة هوية فحسب، بل تكاد تبتلع بقية هوياتها، وهو ما حاولت من خلاله مساءلة الثمن الذي تدفعه المرأة حين يصبح صوتها عاماً، بينما تظل الجماعة راغبة في مراقبة جسدها وسمعتها وحدود ظهورها.

إرث يُفرض... وإرث يُختار

وفي سياق حديثها عن العلاقة المعقدة بالصوت بين عذيجة وزليخة وشاهين، أيدت الكاتبة أن الرواية يمكن أن تُقرأ بوصفها سؤالاً عن حق الفرد في أن يرث ما يريد من عائلته لا ما يُفرض عليه أن يرثه، موضحة أن الإنسان لا يرث من عائلته الأشياء المعلنة فقط، بل يرث أيضاً المخاوف والصمت والعار، والحكايات التي لم تُروَ، وربما الأدوار التي تُقرر له مسبقاً أن يؤديها، فيصبح الإرث قوة تعمل داخل الشخص حتى حين يظن أنه ابتعد عنها.

غير أنها أكدت اهتمامها كذلك بإمكان التفاوض مع هذا الإرث، وطرحت أسئلة حول ما إذا كان بالإمكان اختيار ما نريده منه، وإعادة تسمية ما وصل إلينا، وتحويل ما اعتبرته العائلة وصمة إلى مصدر معرفة أو قوة. ولفتت إلى أن الشخصيات الثلاث لا تتلقى الصوت بالطريقة نفسها، إذ لكل منها علاقتها الخاصة به بين الاقتراب والهرب والخوف والرغبة، مرجّحة أن الحرية لا تكمن في التخلص الكامل من الميراث، فهذا أمر شبه مستحيل، بل في امتلاك حق تأويله واختيار الطريقة التي سيستمر بها داخلنا.

هشاشة الاختلاف

وتحدثت الكاتبة عن شخصية شاهين، الفنان الذي يحمل حساسية فنية تصطدم بتصورات جاهزة عن الرجولة والمكانة والقبول الاجتماعي، مبيّنة أن حساسيته لا تتطابق مع النموذج الصلب والمحدد سلفاً للرجولة، ولهذا لا يُنظر إلى اختلافه باعتباره اتساعاً في التجربة الإنسانية، بل تهديداً للحدود التي اعتادت الجماعة حمايتها.

ورأت أن الجماعة تكشف هشاشتها حين تحتاج إلى إقصاء المختلف حتى تحافظ على يقينها بنفسها، فالاختلاف لا يزعجها لأنه ضعيف، بل لأنه يفضح ضيق التعريفات التي بنت عليها شعورها بالأمان. وأضافت أن الرواية، في أحد جوانبها، محاولة لفهم علاقة الإنسان الخليجي بجسده رجلاً كان أو امرأة، وكيف يبدو الإنسان أحياناً متورطاً في جسده أكثر مما يبدو مالكاً له، إذ يحيط بالجسد شبكة كثيفة من التوقعات الاجتماعية حول كيفية ظهوره وحركته وتعبيره، وما يجوز له إظهاره أو يتوجب عليه إخفاؤه، ومن خلال شاهين - بحسب الكاتبة - أرادت اختبار هذه الحدود وإظهار الكلفة النفسية التي يدفعها الفرد حين يُطلب منه أن يراقب جسده وحساسيته، وأن يخفي أكثر أجزائه صدقاً كي يحظى بالقبول.

لغة الصمت

وعن علاقة اللغة بالإيقاع في النص، أوضحت أن الإيقاع بالنسبة إليها ليس زينة لغوية، بل جزء من المعنى، إذ كانت تستمع إلى الجملة وهي تكتبها، وتنتبه إلى طولها وتوقفاتها وما تتركه من صدى، وذكرت أن بعض المشاهد احتاجت إلى جمل متكررة أو متسارعة كما لو أنها تلاحق إيقاع الدف، بينما احتاجت مشاهد أخرى إلى فراغات وصمت وانقطاع، لأن ما لا تستطيع الشخصية قوله قد يكون أبلغ مما تقوله.

وأكدت أنها فكرت في الرواية بوصفها عملاً متعدد الأصوات، وإن لم يكن ذلك بطريقة هندسية متعمدة تماماً، فلكل شخصية نبرتها ومسافتها الخاصة من الغناء ومن الماضي، وكان عليها أن تترك هذه الأصوات تتجاور وتتعارض من دون أن تذيبها في صوت واحد، حتى الصمت في الرواية - كما قالت - له إيقاعه الخاص، فهو ليس غياباً للصوت بقدر ما هو أثر لصوت جرى منعه أو تأجيله.

الذاكرة كمساحة للنقد

وفي سياق حديثها عن مدينة تتغير سريعاً، رأت الكاتبة أن تحوّل الماضي إلى صورة جاهزة يفقده تناقضاته وطبقاته البشرية، فيغدو التراث جميلاً وآمناً ومنزوعاً من الأسئلة، بينما تختفي التجارب التي صنعت هذا الشكل بما فيها من تعب وتفاوت ورغبات فردية، ومن هنا - بحسب قولها - يهمها ألا يتعامل الأدب مع الذاكرة بوصفها مساحة للحنين وحده، بل مجالاً للنقد وإعادة النظر أيضاً.

وأوضحت أنها لا تعتقد أن الأدب ينقذ الأصوات بالمعنى الكامل، لأن الإنقاذ كلمة كبيرة قد توحي بأن الكاتب يتحدث نيابة عن الآخرين، لكنها ترى أن الأدب يستطيع أن يخلق مساحة للإنصات، وأن يعيد التعقيد إلى حيوات اختصرها التاريخ الرسمي أو تجاوزها، وأن يقاوم النسيان لا بتقديم رواية بديلة بوصفها الحقيقة النهائية، بل بإبقاء الأسئلة مفتوحة، ومنح الهامش حضوراً لا يعتمد على اعتراف المركز به.

أسئلة مفتوحة

وفي سياق متصل، تطرقت الكاتبة إلى صدور الرواية بدعم من وزارة الثقافة ضمن البرنامج الوطني لمنح الثقافة والإبداع، مبيّنة أن هذا الدعم منحها مساحة أكثر جدية للبحث والكتابة، وأتاح لها التعامل مع المشروع باعتباره عملاً يحتاج إلى وقت وموارد، لا مجرد نص يُنجز على هامش الالتزامات اليومية، وأشارت إلى أن الإطار المؤسسي منح عملية البحث نوعاً من التنظيم، وشجعها على التوسع في تتبع المادة الموسيقية والاجتماعية والإنصات إلى ما يتجاوز المصادر المكتوبة.

ونوّهت إلى أن الوزارة كانت كريمة في تمديد المهلة قليلاً حتى تمكنت من استكمال الرواية، وهو أمر تقدّره كثيراً، خصوصاً أن التخييل يحتاج إلى زمن مختلف عن زمن جمع المادة، فالكاتب لا يستطيع الانتقال مباشرة من الوثيقة أو الشهادة إلى الرواية، بل يحتاج إلى أن تترسب المادة داخله حتى تتحول إلى شخصيات وعلاقات ولغة، وختمت بالقول إن حالة البحث في الذاكرة الشفوية حالة ممتدة بطبيعتها لا تُستنفد ضمن مدة محددة، إذ كل حكاية تقود إلى أخرى وكل إجابة تفتح سؤالاً جديداً، مؤكدة أن مشروع الذاكرة الشعبية أوسع من كتاب واحد، وأن الرواية تنتهي بينما تظل الأسئلة التي أيقظتها مفتوحة.