القاهرة – عبدالله حماد
من صفحات المصحف وجدران المساجد إلى اللوحات والمنحوتات والشاشات الرقمية، يخوض الحرف العربي رحلة جديدة تعيد تعريف حضوره في الفن المعاصر. لم يعد مجرد وسيط للغة، بل أصبح عنصراً تشكيلياً قائماً بذاته، تتحول فيه الكلمة إلى لون، والحرف إلى حركة، والنص إلى تكوين بصري مفتوح على التأويل.
وبين قدسية الحرف وحرية التجريب، تتصاعد تجارب عربية تبحث عن معادلة دقيقة تجمع الهوية بالحداثة، وتطرح سؤالاً يبدو أكثر إلحاحاً مع اتساع حضور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي: كيف يتجدد الخط العربي من دون أن يفقد روحه؟
الكتابة والتشكيل
ترى الفنانة التشكيلية الدكتورة صفية القباني، نقيبة التشكيليين المصريين السابقة، أن الخط العربي «أكثر من مجرد كتابة»، فهو فن تشكيلي أصيل يجسد عبقرية الحضارة الإسلامية، وتمكن عبر تاريخه من التحول إلى لغة بصرية نابضة بالحركة والجمال.
وتوضح لـ«البيان» أن ارتباط الخط بالقرآن الكريم والعمارة الإسلامية منحه مكانة استثنائية، فغدت المساجد فضاءات مفتوحة للجمال، تتجاور فيها الآيات مع الزخارف النباتية والهندسية في تشكيلات مبهرة.
ومن الكوفي والثلث والنسخ إلى الديواني والرقعة، أثبت الخط العربي قدرته على التطور، فلم يكن يوماً فناً جامداً، بل منظومة جمالية تتجدد مع الزمن.
الحرف خارج النص
وتتابع القباني: في النصف الثاني من القرن العشرين، بدأ الفنانون العرب النظر إلى الحرف من زاوية جديدة؛ فلم يعد نصاً للقراءة، وإنما مادة قابلة للتفكيك وإعادة التركيب، تدخل في علاقة مع اللون والكتلة والفراغ.
ومن هنا برزت الحروفية العربية بوصفها اتجاهاً تشكيلياً يستند إلى التراث، لكنه لا يتوقف عند حدوده التقليدية. وأسهم فنانون مثل يوسف سيدة وجميل حمودي وعمر النجدي في تأسيس هذا المسار وفتح الطريق أمام تجارب لاحقة.
وتبرز تجربة الفنان المصري أحمد مصطفى نموذجاً لهذا التحول؛ إذ استطاع، خلال مسيرته الفنية المرتبطة إلى حد كبير ببريطانيا، أن يحول الحروف العربية إلى تكوينات تجريدية وكتل لونية تحمل أبعاداً جمالية وروحية. وفي أعماله يصبح الحرف إيقاعاً وحركة ومساحة، فيما تتحول الكلمات إلى بناء بصري تتذوقه العين قبل أن تقرأه.
تجارب إماراتية
وتضيف: في الإمارات، يواصل الخط العربي حضوره اللافت في المشهد الثقافي والفني، عبر المعارض والفعاليات والتجارب التي تتعامل مع الحرف باعتباره مادة للإبداع المعاصر.
وتكشف أعمال عبد القادر الريس، الذي يوظف الخط والهندسة في بناءاته البصرية، وتجربة مطر بن لاحج، الذي قدم مقاربات مبتكرة للحرف، عن قدرة الخط على تجاوز الشكل التقليدي والانفتاح على مساحات جديدة من التعبير.
ولم يعد حضور الخط مقتصراً على قاعات العرض، والكلام للفنانة التشكيلية، بل امتد إلى سوق الفن والاقتناء، مدفوعاً بتنامي الاهتمام العالمي بالفنون العربية والإسلامية. وأسهمت المعارض والملتقيات والجوائز الدولية في توسيع فرص الفنانين، فيما باتت الأعمال الخطية تحمل قيمة سوقية ترتبط باسم الفنان وخصوصية تجربته.
وهكذا يتحول الخط تدريجياً إلى أحد مكونات الاقتصاد الإبداعي، بما يفتح مجالات جديدة أمامه في الاقتناء والتصميم والصناعات الثقافية.
لغة بصرية مستقلة
ويؤكد الخطاط الدكتور حسن البكولي، المجاز في الخط العربي وكتابة المصاحف، أن الخط «هوية أمة وذاكرة حضارة»، مشيراً إلى أنه تجاوز وظيفته الكتابية ليصبح لغة بصرية مستقلة تحمل أبعاداً جمالية وفكرية وروحية.
ويشدد لـ«البيان» على أن التجديد الحقيقي لا يعني إلغاء القواعد، بل الانطلاق منها. فالخطاط الذي يمتلك أدواته ويعرف مدارسه وأصوله يستطيع تقديم أعمال معاصرة تحافظ على هيبة الحرف، بينما قد يؤدي تجاهل القواعد إلى اختزال الخط في مجرد زخرفة.
ويرى أن حماية هذا الفن وتطويره يتطلبان مشروعاً ثقافياً متكاملاً يدعم تعليم الخط وتأهيل الخطاطين والبحث الأكاديمي، ويعزز حضور المعارض والملتقيات الدولية، ويربط الخط بمسارات الاقتصاد الإبداعي.
الهوية والحداثة
ومع الفنون الرقمية والذكاء الاصطناعي، يدخل الحرف العربي مرحلة جديدة من التجريب. غير أن التحدي لا يتمثل في التكنولوجيا ذاتها، بل في كيفية استخدامها لتطوير الحرف من دون أن تحل محل روحه.
ويؤكد البكولي: مستقبل الخط العربي لا يكمن في الجمود ولا في القطيعة مع الماضي، وإنما في مساحة يتجاور فيها التراث والتجريب، والقاعدة والحرية، والهوية والانفتاح. فالحرف العربي ليس شكلاً جمالياً فحسب، بل ذاكرة مكتوبة ووعاء للغة وشاهد على حضارة؛ ولذلك قد تكون هويته، في زمن الحداثة، لا قيداً على الإبداع، بل سر قوته وتميزه.


