«مسجد تسينغوني» أقدم مسجد إسلامي على جزيرة فرنسية

تروي الحفريات الأثرية في أقدم مسجد «فردريك بوريغو» في تسينغوني على الساحل الشرقي لجزيرة مايوت في المحيط الهندي، قصة استيطان هذه الجزيرة وتطورها، حتى قيام سلطنة فيها، كما تكشف عن تفاعل الاعتقاد الإسلامي مع المعتقدات المحلية هناك، قبل أكثر من تسعة قرون.

تُشكل مايوت المقاطعة الفرنسية الرقم 101، وتقع قبالة الساحل الشرقي للقارة الأفريقية، قرب جُزر القمر.

ويرتفع في تسينغوني مسجد هو الأقدم في الأراضي الفرنسية. وكان قبل خمسة قرون رمزاً لقوة السلاطين الذي جعلوا من هذه المدينة عاصمة لهم.

وتجري في هذا المسجد، المصنّف ضمن المعالم التاريخية الفرنسيّة منذ عام 2015، أعمال ترميم تشرف عليها البلدية. وأجرى المعهد الوطني الفرنسي للأبحاث الأثرية الوقائية (Inrap) عام 2023، أول حفريات أثرية تُنفذ داخل مسجد في أرض فرنسية، بعدما حظي بموافقة السكان.

وتقول جوستين سعدي المسؤولة العلمية عن المشروع «إن سكان مايوت مهتمون بتراثهم وبأصولهم الأسترونيزية والبانتوية والسواحلية... فهذا المزيج الثقافي هو ما يميزهم».

وتقول الدراسات إن استيطان هذه الجزيرة وجزر القمر، يعود إلى أواخر الألفية الأولى للميلاد.

ويروي المؤرخ مارسيال بولي، الباحث في المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية (Inalco)، أن الإسلام وصل إلى مايوت عبر الطرق التجارية البحرية.

ويضيف «يُرجّح أن بحارة من عُمان، وربما من فارس أيضاً، هم الذين نقلوا الإسلام إلى هذه المناطق. لكننا نعلم كذلك أن المعتقدات الأرواحيّة التقليدية ظلت قائمة لوقت طويل».

ويرى أن الأدلة الأثرية تشير إلى أن اعتناق السكان للإسلام جرى تدريجياً خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر.

بعد انتهاء الحفريات، تمكن الباحثون من إعادة تركيب التسلسل التاريخي للمسجد، وأثبتوا أن وجوده يعود إلى ثلاثة قرون أقدم مما كان يُعتقد.

يظن الباحثون أن المسجد بُني أولاً في القرن الثاني عشر بمواد لا تُعمّر كثيراً. ثم شيّد في القرن الثالث عشر باستخدام الحجر الرملي الساحلي والمرجان والبازلت.

ويعتبر علماء الآثار استخدام المرجان «مؤشراً زمنياً إقليمياً»، إذ استُخدم أيضاً في مساجد أخرى على الساحل الشرقي لأفريقياـ وفي منطقة قناة موزمبيق خلال الحقبة نفسها.

ولاحظ الباحثون أيضاً تغييرات معمارية خلال القرن الرابع عشر، إلى جانب آثار حريق يُرجح أنه أتى على السقف الخشبي.

وفي القرن السادس عشر، دخل المسجد مرحلة التوسع العمراني الكبير، بالتزامن مع الازدهار الاقتصادي، بحيث تضاعفت مساحاته، وشُيّد فيه محراب.

ويعود تاريخ هذا المحراب إلى عام 1538، فأحد النقوش يحمل اسم السلطان علي محمد، الذي كان حاكماً في ذاك الوقت.

ويقول بولي «تقول الروايات التقليدية إن الإسلام وصل إلى الجزيرة في ذاك الوقت، وأن السلاطين هم من نشروا الإسلام والحضارة».

غير أن الأدلة الأثرية تروي قصة مختلفة، إذ تُظهر أن الإسلام كان موجوداً في الجزيرة قبل ظهور حكم السلاطين بثلاثة قرون.

استشف الباحثون من تحليل الآثار أن السكان كانوا على المذهب الشافعي.

وظلت تسينغوني ومسجدها مركزين رئيسين حتى القرن الثامن عشر، حين أدت التوترات بين مايوت وجزيرة أنجوان إلى تراجع مكانتهما.

وبعد بيع مايوت لفرنسا عام 1841، خضع المسجد لعمليات ترميم عديدة، استمرت حتى العصر الحاضر.

وتقول جوستين سعدي إن تحليل الآثار هناك، يكشف عن تفاعل ثقافي بين الإسلام والمعتقدات المحلية.

وتضيف أن الباحثين عثروا على صفحة من القرآن داخل جدار، إلى جانب مسمار خشبي من هيكل البناء، يُرجّح أنهما وضعا أثناء أعمال ترميم للمسجد. في ما يبدو مزجاً لعادة ترجع لمعتقد شعبي محليّ مع الاعتقاد الإسلامي.

وترى في ذلك مؤشراً إضافياً إلى الثراء والتنوع الثقافي اللذين يميزان الجزيرة.