انتعاش «القراءة الورقية».. نجاح يتحدى سطوة التكنولوجيا

 ظاهرة جيدة تعيد الروح إلى الموارد الأصلية للمعرفة
ظاهرة جيدة تعيد الروح إلى الموارد الأصلية للمعرفة

في الوقت الذي تتسارع فيه التطورات التقنية بشكل يكاد يفوق قدرة الأذهان على المتابعة، تبرز ظاهرة لافتة في المعارض، والمكتبات، ومقاهي القراءة: ألا وهي العودة القوية للقراءة الورقية بين جيل جديد من الشباب، حيث تنتشر مبادرات طلابية وشبابية كثيرة تعيد العلاقة مع الكتاب الورقي، مثل مقاهي القراءة وبرامج تبادل الكتب، وجلسات المناقشة الأسبوعية.

ورغم أن هذا الجيل نشأ محاطاً بالشاشات والهواتف الذكية منذ سنواته الأولى، إلا أن البيانات والمشاهدات اليومية تثبت أنه يعيد اكتشاف الورق بوصفه مساحة للهدوء والاتصال الحقيقي مع المعرفة.

الكاتب أحمد عصمت، يرى أن أي نقاش حول علاقة الجيل الجديد بالقراءة لا يمكن أن ينفصل عن البيئة التي وُلد فيها هذا الجيل، حيث يقول في شهادته إن أدوات الذكاء الاصطناعي والمواقع الرقمية تتطور وتندثر بسرعة لم يعرفها أي زمن سابق، ما أنتج جيلاً «تفكيره يسير بسرعة تكاد تضاهي سرعة الضوء».

ويروي عصمت، في تصريحاته لـ«البيان» مشهداً وقع معه مؤخراً، عندما حاول تشغيل فيلم كرتوني لطفل في العاشرة، لكن والده أخبره بأن الأطفال لم يعودوا يجدون في هذه الوسائط ما كان يبهج الأجيال السابقة.

يقول عصمت: «إن معدل تطور هذا الجيل يفوق الأجيال كلها... فإذا كنا نتقدم بثلاث درجات، هم يقفزون عشر درجات دفعة واحدة، وما نحتاج سبع سنوات لتعلمه، ينجزونه في ثلاث سنوات فقط».

ورغم هذه السرعة، يلاحظ عصمت وجود ظاهرة الملل السريع التي تضرب هذا الجيل، نتيجة انغماسه في التكرار والتغذية البصرية اللحظية، وهو ما يدفعه – بحسب رأيه – للبحث عن شيء «ثابت، حقيقي، لا يفقد قيمته مهما تغير الزمن»، وهو الكتاب الورقي.

يقول: «الورق هو الهدنة الهادئة، الوقود القديم الذي لا يزال يمنح السكينة مهما بلغ العمر».

الكتب الورقية بالأرقام

مصطفى الفرماوي
مصطفى الفرماوي

ويصف الناشر والباحث مصطفى الفرماوي، عودة القراءة الورقية بأنها «تصحيح للمسار» لا تراجعاً عن التطور.

ويؤكد لـ«البيان» أن المشهد في المعارض العربية يثبت ذلك بوضوح: ويقول: «رأينا أجنحة كاملة مخصصة للشباب فقط، واللافت أن الإقبال الأكبر كان على الروايات وكتب تطوير الذات والعلوم الإنسانية، وهو ما يشير إلى تعطش معرفي لا يمكن أن تشبعه الشاشة وحدها».

ويرى الفرماوي أن الكتاب الورقي لا يعود لأنه قديم، بل لأنه أكثر رسوخاً... ويضيف: «التطبيقات الإلكترونية تمنح معرفة سريعة، لكنها لا تمنح تجربة. بينما الورق يخلق علاقة زمنية، حميمية، وممتدة بين القارئ والنص».

ويشير إلى أن كثيراً من دور النشر لاحظت أن الشباب يشترون الكتاب الإلكتروني للقراءة اليومية، لكنهم يشترون الورقي للاقتناء والعودة إليه لاحقاً.

بحث عن الماضي

المفارقة الأكبر تأتي من داخل الجيل ذاته. فالطالبة ليلى (17 عاماً) تؤكد أن العودة للقراءة الورقية بين زملائها ليست مجرد موضة، بل حاجة نفسية.

وتقول: «نحن جيل يعيش على السرعة... لكن السرعة متعبة. حين أمسك كتاباً ورقياً أشعر أنني خارج السباق، أنني أتنفس. الكتاب يبطئني، وهذا شيء جميل بالنسبة لنا».

وتلفت ليلى إلى أن كثيراً من أصدقائها يحنون لما لم يعيشوه أصلاً: «نرى صور آبائنا وهم يقرؤون في الحدائق، أو يشترون كتباً من سور الأزبكية. ربما نريد أن نعيش بعض هذا الزمن. القراءة الورقية تمنحنا الشعور بأننا جزء من تاريخ طويل».

كما تشير إلى أن القراءة الورقية تجعل التركيز أعلى: «على الهاتف، صفحة واحدة تكفي ليشتتني إشعار أو مقطع فيديو. أما في الكتاب، فلا شيء يقطع الرحلة».

مساحات جديدة للانتماء

تنتشر اليوم مبادرات طلابية وشبابية كثيرة تعيد تشكيل العلاقة مع الكتاب الورقي، مثل مقاهي القراءة، وبرامج تبادل الكتب، وجلسات المناقشة الأسبوعية.

وفي هذا السياق، يؤكد مصطفى الفرماوي أن هذه المساحات «خلقت مجتمع قراءة جديداً، ليس رسمياً ولا مؤسسياً، لكنه مؤثر وفاعل»ـ ويعتبر أن الأمر يشبه «عودة الروح» في ظل ضجيج التكنولوجيا.