«بيت الشعر» في متحف الشندغة.. نوافذ على تاريخ «ديوان العرب»

الشعر علمٌ وفنٌ يجمع بين الإبداع والتعبير، يعكس عبر قصائده مرونة اللغات وجوهرها، ليمثل أداة للتعبير عن المشاعر الإنسانية ونافذة فريدة تمكننا من اكتشاف الثقافات، وقد حرصت هيئة الثقافة والفنون في دبي «دبي للثقافة» عبر مبادراتها ومشاريعها على الاحتفاء بالشعر الذي يوصف بـ «ديوان العرب» وحفظ تاريخه الطويل، وهو ما يتناغم مع التزاماتها الرامية إلى دعم وتمكين أصحاب المواهب وتحفيزهم على المساهمة في إثراء المشهد الثقافي المحلي، وترسيخ مكانة دبي مركزاً عالمياً للثقافة، حاضنة للإبداع، وملتقى للمواهب.

وتواصل «دبي للثقافة» عبر ما تنظمه من برامج وأمسيات شعرية متنوعة ضمن مبادرة «صندوق القراءة» و«حديث المكتبات»، وغيرها، دعم حركة الشعر المحلية وتطويرها من خلال توفير منصات مبتكرة قادرة على تحفيز الشعراء على صقل مهاراتهم وتمكينهم من عرض قصائدهم المختلفة وإطلاق العنان لإبداعاتهم، ما يساهم في تعزيز حضورهم على الساحة المحلية والعالمية، ويأتي ذلك انطلاقاً من إيمان الهيئة بأهمية ومكانة الشعر الذي يعد جزءاً مهماً من التراث والهوية الثقافية، وأحد ركائز الأدب العربي، وما يمتلكه من قدرته على دعم قوة اللغة العربية.

وسعت «دبي للثقافة» عبر «بيت الشعر» الذي يحتضنه متحف الشندغة، أكبر متحف تراثي في الإمارات، إلى جمع كنوز الشعر العربي والنبطي، وتوثيق تاريخه وأبرز رواده في الدولة، وعلى رأسهم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، حيث تُعد قصائد سموه من أبرز روائع الشعر الإماراتي، وهو ما تجلى في قصيدته المعروفة «ملحمة الإمارات» وما تحمله من معانٍ أصيلة تدعو إلى حب الوطن.

ويتكون «بيت الشعر» من قسمين، شُيِّد الأول، وهو بيت الضيافة المواجه لخور دبي، في عهد المغفور له، الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم، طيب الله ثراه، بينما يُعد القسم الثاني بيت محمد بن سرور هادي القمزي، وفيه خصصت «دبي للثقافة» مسارات منظمة تأخذ الزوار في رحلة مرصعة بالمعاني وتمكنهم من استكشاف مجموعة من المعروضات التي توثّق تاريخ الشعر وتطوّره عبر العصور، ليعيشوا خلالها تجربة تفاعلية فريدة، تمنحهم فرصة التعرف على أنواع الشعر العربي وأوزانه وقوافيه، وبداياته التي تعود إلى أوائل القرن الخامس الميلادي، حيث اعتمد الشعراء في قصائدهم على الرموز والاستعارات للتعبير عن أفكارهم وعواطفهم، كما يستعرض البيت أهمية القصيدة العمودية التي تتسم بقافيتها ووحدتها ووزنها، وتتميز بقدرتها على حفظ جمالياتها ومعانيها على مدار الزمن.

وبين جدران «بيت الشعر» تتجلى روائع «المعلقات» وهي أرقى ما كتب من شعر في عصر ما قبل الإسلام، وتبين المعروضات أن «منطقة شبه الجزيرة العربية تحتوي على آلاف النقوش بلغات مختلفة، يعود تاريخها إلى فترة تراوحت بين 800 قبل الميلاد إلى 400 ميلادية»، كما تستعرض أيضاً بلاغة الشعر وجغرافيته، وتتطرق إلى «سوق عكاظ» الذي اشتهر بمنافساته بين الشعراء، وتبرز أيضاً تطور حركة الشعر العربي وانتشاره.

من جهة أخرى، أفردت الهيئة في البيت مساحة واسعة للشعر الإماراتي، بوصفه أحد أهم أشكال التعبير الثقافي في الدولة، ولا يزال يُمثل جزءاً من التراث المحلي، وتستعرض فيها أبرز رواد الشعر المحلي خلال العقود الماضية، حيث يؤكد العرض المتحفي أن «أقدم توثيق للشعر المحلي يعود إلى الشاعر والملاح أحمد بن ماجد الذي عاش في القرن الخامس عشر الميلادي»، كما يستعرض هذا القسم روائع الشعر الإماراتي وأنواعه المختلفة، ومن بينها «المشكاة» وهي عبارة عن حديث متبادل بين شاعرين، و«شعر الألغاز والأحجيات» الذي يعد أحد أنواع الشعر المحبب لدى مواطني الدولة، ويعتمد على التلاعب في الألفاظ والمعاني.

ويبرز البيت ما تشهده الإمارات من نهضة شعرية بدأت منذ عام 1970 ولا تزال متواصلة حتى اليوم، ما عزز مكانة الشعر كجزء من الهوية الوطنية والتراث الثقافي، كما تتضمن معروضات «بيت الشعر» أساليب حساب «الجُمَل» في حل الأحجيات، بالإضافة إلى تأثير الشعر في الأهازيج الشعبية، كما يستعرض في قسم خاص تطور وسائل نشر الشعر عبر الصحف والمجلات، والتلفزيون والإذاعة، والأسطوانات، والكاسيت وغيرها.