أطفالنا الذين لا يفهموننا

بقلم: عبير أحمد الحارثي

عملتُ معلمة في حضانة في أكاديمية بريطانية. وفي يومي الأول، وفيما كنت أتعرف على أسماء الصغار، من كل الأشكال والأعراق؛ شدّني ذلك الطفل الأسمر ذو الملامح الإماراتية، فسألته بأُلفةٍ وسط كل هذه الإنجليزية المنتشرة في الهواء «ما اسمك؟» ليرد «سوهيل»، أعدت سؤالي ظنّاً مني أني لم أميّز ما قال، فردّ «سوهيل» قلت له: «سهيل؟» ليرد بإنجليزية وبنبرة نزقة «لقد أخبرتك» وبطبيعة الحال فإني لم أعاتب سهيل ذا الأعوام الثلاثة- الأربعة، لأعلمه الفرق بين (سْهيل وسُوهيل). لاحقاً، جاءني سهيل بأخته التوأم، من الفصل المقابل، فسألتها عن اسمها، لتقول (شاما)، وشاما هي شمّا.

لا أحتاج أن أذكر طبعاً، بعد فترة، لقائي بالأم، ونبرتها المرحة التي كانت تحدثهم بإنجليزية وتقول بشيء من الاستسلام المصطنع المشوب باعتزاز خفيٍّ «عيالي ما يعرفون يرمسون عربي».

في تلك الجملة المألوفة، والتي تكررت على أذهاننا، شيء يتجاوز المزاح العابر؛ فهي تكشف موقع الأسرة داخل ما يسميه (بيير بورديو) بـ «السوق اللغوي». يشير بيير إلى مفهوم (الرأسمال اللغوي) ومفاده أن إتقان لغة معينة، يمنح صاحبه امتيازاً اجتماعيّاً، ويرى أن كل مجتمع فيه (سوق لغوي) تكون فيه بعض اللغات مرتفعة القيمة وبعضها منخفضة.

ومن هنا، فهذا الفكر الأُسري، يتحرك داخل سوق يوزع المكانة والفرص، وحين تميل تلك الأسر إلى لغة ما؛ فإنها تقترف ذلك -بوعيٍ أو بحدسٍ- وتقول ضمنيّاً إن تلك اللغة تحمل أكبر قدر من الرأسمال الرمزي في فضاءات الطفل؛ المدرسة والعمل والعالم.

لعل هذا شيء مما يربحه (سوهيل) مبكراً، طلاقة إنجليزية، ولهجة بريطانية أو أمريكية صافية، غير مشوبة بإيقاع اللهجة الإماراتية ومخارجها. (آكسنت) مثالي لإماراتي! لا يملك من «إماراتيته» سوى جواز وأوراق؟؟؟؟؟. غير أن هذا الربح في جوهره، رأسمالي ظاهري، مكسبٌ تقيسه الأسواق والفرص. وما يبقى خفيّاً، هو الحرمان من عمق التجربة الإنسانية والهوياتية. فماذا يخسر الطفل الإماراتي حين يُفطم عن لغته ولهجته؟

لا أعتقد أن سهيل سيتسنّى له معرفة (الخراريف) والاستمتاع بها، فلديه/ أو سيتكون لديه بالضرورة مقابلٌ ثقافي كالساحرة في (هانسل وغريتل) بدل (أم الدويس). وبدل (كليلة ودمنة)، فإن هناك (حكايات إيسوب) وغيرها الكثير، وبالمثل، فإن بديل (ألف ليلة وليلة) هو (حكايات الأخوين غريم).

سيكتفي بـ«هاي» بدل «مرحبا الساع»، وسينفد معجمه من مرادفات الشكر والامتنان «لا خليت منك، تمد من زود، ما تقصر، بيّض الله ويهك...»، لتصبح كلمة واحدة باردة «thank you» ولن يعرف من معجم بحر أجداده شيئاً؛ فما حاجته إلى معرفة «البوم» و«الجالبوت» و«الجلاب» و«البغلة» و«السنبوك» إن كان يستطيع بكل ببساطة أن يستعيض عنها بـ “boat/ ship”، وهذا مثال على الفقدان التدريجي للمعجم الثقافي.

سيستغرب سهيل من «اللي ما يعرف الصقر يشويه» وربما يربطه بسياق معاصر كحقوق الحيوان، بدل إدراك دلالته المجازية. وسيستنكر «الغنم» في «من طول الغيبات ياب الغنايم»، فلماذا يؤتى بالغنم؟

يجد (سوهيل) نفسه بين أهله، أخواله وأعمامه، وأبناء عمومته الذين أصر والدهم على إدخالهم مدارس حكومية، يتحدث أحد الأخوال عن موقف مضحك لابن أخيه ومكره للحصول على ما يريد، فهذا الثعلب يكثر الزنّ ويتلاعب بالكلام، لينتهي المطاف بأمه وقد استسلمت له. فيعقّب أحد الأعمام «كثر الدق يفچ اللحام» ويعقب آخر ويغمز مستفزاً «والعرج دسّاس»، فيضحك الجيل الأكبر، ويضحك أبناؤهم -أبناء المدرسة الحكومية- من سياق النكتة ككل وإن تعسّر عليهم فهم اللفظ بدقة. ويبقى سهيل مستغرباً مثل «الأطرش في الزفة» -طبعاً وبكل أسف لن يفهم (سوهيل) الأطرش في الزفة- ليُجاريهم ويضحك على هوّته وبُعده الثقافي.

في تلك الغرفة، يتجلى التباين في المستويات اللغوية، فهناك جيل قديم تشرّب لغته ولهجته، وهناك أبناء المدرسة الحكومية، وهو.

تعتمد النكتة غالباً على عدة عناصر، منها التلاعب بالألفاظ والمعرفة الثقافية المشتركة واللهجة المحلية والسياق الاجتماعي، وتعبّر الكفاءة التداولية عن قدرة المتكلم على فهم المعاني الضمنية والسياقية في الكلام، مثل النكتة والسخرية والتورية. وعجز سهيل عن فهم النكتة يعد نقصاً في الكفاءة التداولية الثقافية؛ ما يُكسبه شعوراً بالغربة داخل محيطه، ويعيق مشاركته في التفاعلات اللغوية التي ترتكز على مرجعيات ثقافية مشتركة.

في تلك الأكاديمية البريطانية، كان الاحتفاء بالتراث الإماراتي والهوية الإماراتية مقتصراً على مناسبات معينة، وكان التغني بالهوية الإماراتية مقتصراً على زاوية في الجدار، وتجلت المفارقة بالنسبة لي في كتابة الهوية الإماراتية باللغة الإنجليزية، وتحتها الترجمة العربية. ولم أر هذا الترتيب اللغوي بريئاً. فاللغة الأم/ الهوية الأصل نسخة ثانوية، واللغة المهيمنة هي الغلاف العالمي الذي يفرض نفسه على الهوية الأصلية.

فماذا يقول هذا الخطاب غير أن التراث مادة مستوردة ونظرية، بعيدة عن الممارسة اليومية والفهم العميق للغة واللهجة؟

لا ألوم المدرسة البريطانية على الإطلاق، وقد أتطرف إلى أبعد من ذلك وأقول إن اللوم لا ينبغي توجيهه إلى المدرسة، وإن كانت تمارس دوراً جوهريّاً في التكوين اللغوي-الثقافي.

تشير الدراسات الحديثة في علم اللغة وعلم النفس العصبي إلى أن الطفل يبدأ بالتعرض للغة قبل الولادة، وأول صوت يسمعه الجنين غالباً هو صوت الأم، وهذا التعرض المبكر للصوت يساعد الطفل على التمييز بين أصوات لغته الأم وأصوات لغات أخرى.

يمكن القول إذاً إن البيئة اللغوية الأسرية بعد الولادة تمثل امتداداً مباشراً لهذا التعرض المبكر، وتؤثر جوهريّاً على تطوير الكفاءة التداولية والهوية اللغوية للطفل.

وقد أظهرت تقارير عن المهاجرين العرب توضح أن التحدث بالعربية داخل البيت والأنشطة التفاعلية الأسرية تساعد الأطفال على الحفاظ على لغتهم الأم. ولسنا بمهاجرين، ولغتنا الأم ولغة البلاد الرسمية هي العربية، ألسنا أقدر على الحفاظ على لغتنا ولهجتنا، وعلى نقلها بكل ثرائها لأبنائنا؟

لا يزال العربي حتى اللحظة منشغلاً بأسباب ضعف لغته وهجر أبنائها لها، والأسباب حتماً كثيرة، أسهلها أن نلوم المدرسة والإعلام، رغم محاولات الاثنين للتطور والنهوض بالعربية. أتذكر أنني لم أكن أعول على منهج المدرسة تماماً؛ فقد تربيتُ في منزل يتحدث بلهجته، وقد دخلت مراكز تحفيظ القرآن في سن مبكّرة؛ فاستقام لساني، وأُثرِي معجمي، وتشربتُ العربية وفُتنت بها. لم تكن أمي متعلمة، وكل ثقافتها الفصحى كانت مرتبطة ببضع سورٍ وأحاديث وأحكام دينية. ولا خوف أصلاً على من يتحدث لهجته، فاللهجة في أصلها مستوى من مستويات اللغة.

أرى أن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق الأسرة. تعلم أمّ (سوهيل) يقيناً أن إدخال ابنها مدرسة بريطانية سيؤثر بلا ريب على لغته العربية ولهجته المحلية، ولست بصدد الطعن في جدوى المدارس الخاصة، لكن القرار هنا يمثل مجازفة ثقافية واضحة. فهل ساءلت العائلات نفسها عم لو كان التعلم في سن مبكرة محبذاً، أم أنه يمثل اغتيالاً لغويّاً–ثقافياً للغة الأم؟ وإن قرروا المضي قدماً، فهل هم مستعدون لتحمل مسؤولية معالجة الجروح الثقافية للطفل، وتعويض ما يفقده من ممارسة اللغة الأم؟ وهل هناك حدّ يمكن أن ينبئ بالخطر، عنده يصبح من الضروري التوقف وإعادة دراسة قرار متابعة الطفل دراسته بلغة أجنبية؟ والأهم من هذا كله: هل نحن نتواصل مع أبنائنا؟

مقال مميز ضمن جائزة المقال الإماراتي في دورتها الثانية