الصالونات الثقافية بين إرث الماضي ورهان الفضاء الرقمي

أحمد سراج
أحمد سراج
علي عطا
علي عطا

تعود الصالونات الثقافية إلى دائرة النقاش من جديد، في ظل التحولات الكبيرة في المشهد الثقافي العربي خلال السنوات الأخيرة، فبعد أن لعبت هذه الصالونات دوراً بارزاً في صناعة الحراك الفكري والأدبي داخل الوسط الثقافي المصري، واحتضان النقاشات التي جمعت كبار المثقفين والكتاب، يطرح الواقع الجديد تساؤلات حول مدى قدرتها على مواصلة التأثير في عصر المنصات الرقمية والمساحات الثقافية الحديثة.

يؤكد الشاعر والمسرحي أحمد سراج، المشرف على منتدى الاستقلال الثقافي، خلال حديثه لـ«البيان»، أن الصالونات الثقافية لا تفقد تأثيرها بسبب تغيّر الزمن، وإنما بسبب عدم قدرتها على التطوّر ومواكبة التحولات الجديدة، موضحاً أن «من لا يتطور ينحسر ويندثر».

ويشير إلى أن الحديث المتكرر عن ضعف الإقبال على الندوات الثقافية، رغم أن معارض الكتب الكبرى تستقبل ملايين الزوار، يعود إلى غياب دراسة خصائص الجمهور ومتطلبات المرحلة الحالية، لافتاً إلى أن كثيراً من الصالونات الثقافية تعاني ضعف التأثير، نتيجة عوامل عدة، منها ارتفاع تكلفة الحضور، وظهور بدائل ثقافية متعددة ومنها المنصات الرقمية.

أما عن تغير دور الصالون الثقافي، فيؤكد أحمد سراج أن المشكلة الأساسية تكمن في تجمد بعض الصالونات أمام التطورات التي طرأت على طرق تلقي المعرفة، بينما تطور الجمهور، وأصبحت لديه خيارات متعددة.

أما عن طبيعة جمهور الصالونات الثقافية اليوم، فيؤكد سراج، أن الجمهور لم يختفِ، لكنه أصبح أكثر تنوعاً، فهناك من يفضل متابعة الفعاليات من المنزل، وهناك من يحرص على الحضور المباشر، وهو ما يتطلب تحويل المستجدات إلى فرص، بدلاً من اعتبارها عوائق.

ويلفت أحمد سراج إلى أن الصالون الناجح لا يدخل في منافسة مع المنصات الحديثة، بل يستفيد من تجاربها، ويطور أدواته وفقاً لاحتياجات الجمهور.

أما عن التغييرات المطلوبة لمواكبة جيل المنصات الرقمية، يشير سراج إلى أن الصالونات بحاجة إلى توسيع رؤيتها، وعدم النظر إلى الجمهور من زاوية ضيقة، لأن جمهور المنصات لا يتابع كل المحتوى، وإنما يختار ما يتناسب مع اهتماماته.

من جانبه، يؤكد الروائي والكاتب علي عطا، خلال حديثه لـ«البيان»، أن أبرز نموذج للصالونات الثقافية في مصر، يتمثل في صالون العقاد، الذي انتهى كحالة ثقافية استثنائية برحيل صاحبه، مشيراً إلى أن هذا النموذج سبقه عدد من الصالونات المهمة، من بينها صالون مي زيادة، والتي شكلت علامات بارزة في تاريخ الحياة الأدبية والثقافية.

ويوضح أن المحاولات اللاحقة لاستعادة تجربة هذه الصالونات، لم تنجح في تقديم نماذج مشابهة من حيث التأثير والحراك الثقافي، إذ لم ترتبط أغلبها بإنتاج حركة ثقافية مؤثرة.

أما عن وضع الصالونات الثقافية الحالية، فيؤكد علي عطا أن كثيراً منها أصبح أقرب إلى جلسات دردشة، تعبر عن الحنين إلى زمن الصالونات الأدبية القديمة، التي كانت تشهد نقاشات جادة حول القضايا الفكرية والثقافية، وتفرز سجالات أدبية حقيقية، انعكست في مقالات وكتابات أثرت المشهد الثقافي.

ويشير إلى أن الصالونات بالشكل الذي عرفه التاريخ الثقافي، لم تعد موجودة بالفاعلية نفسها، موضحاً أن النموذج القديم كان قائماً على الحوار العميق والتفاعل بين المثقفين، وليس مجرد اللقاءات الاجتماعية أو المناسبات العابرة.

أما عن إمكانية أن تحل المنصات الرقمية محل الصالونات الثقافية، فيؤكد علي عطا، أن المنصات الرقمية تمتلك القدرة على وراثة هذا الدور، باعتبارها الأكثر ملاءمة لمعطيات العصر الحالي، لكنها تحتاج إلى تنظيم جيد، وانتظام في العمل، والابتعاد عن فكرة الظهور لمجرد تحقيق حضور اجتماعي لا يستند إلى مشروع ثقافي حقيقي.