«وارسو للكتاب» يضيء التنوع وتحولات السرد في الرواية الإماراتية والبولندية

ظاعن شاهين وويت شوستاك خلال جلسة «التنوع التاريخي والإنساني في الرواية الإماراتية والبولندية»
ظاعن شاهين وويت شوستاك خلال جلسة «التنوع التاريخي والإنساني في الرواية الإماراتية والبولندية»
 سلطان العميمي خلال الجلسة
سلطان العميمي خلال الجلسة
صالحة غابش متحدثة خلال الجلسة
صالحة غابش متحدثة خلال الجلسة

ضمن مشاركة الشارقة ضيف شرف الدورة الخامسة من معرض وارسو الدولي للكتاب الذي اختتمت فعالياته أمس، احتضن المعرض جلسات حوارية ثرية ناقشت عوالم الرواية الإماراتية والبولندية.

وكشف الشاعر والروائي الإماراتي ظاعن شاهين، والروائي البولندي ويت شوستاك، كيف تتحول الرواية إلى مساحة لحفظ الذاكرة الفردية والجمعية، وإعادة قراءة التاريخ بوصفه تجربة إنسانية حية تتجاوز حدود المكان، وتربط بين الإنسان وتحولاته الاجتماعية والثقافية عبر السرد.

جاء ذلك خلال جلسة حوارية بعنوان «التنوع التاريخي والإنساني في الرواية الإماراتية والبولندية»، أدارتها الدكتورة إيوونا تشيرشينسكا.

وأكد ظاعن شاهين في مستهل حديثه أن الثقافة تمثل أحد أهم الجسور التي تربط الشعوب ببعضها، مشيراً إلى أن الأدب، والرواية، والقصة، والدراسات التاريخية والثقافية، جميعها تشكل وعاء معرفياً وإنسانياً مشتركاً يفتح المجال للتواصل الحضاري والاجتماعي بين المجتمعات المختلفة.

وفي حديثه عن الرواية الإماراتية، أشار شاهين إلى أن الحكاية كانت حاضرة في الثقافة المحلية منذ زمن طويل، إلا أن الرواية بوصفها جنساً أدبياً مطبوعاً تأخرت نسبياً في ظهورها، لافتاً إلى أن عدد الروايات الإماراتية حتى ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي كان محدوداً، قبل أن يشهد المشهد السردي تحولاً ملحوظاً مع صدور روايات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، ثم مع بداية الألفية الجديدة التي مثّلت نقطة انطلاق واسعة للرواية الإماراتية.

وأوضح أن التعليم، والانفتاح على الثقافات الأخرى، وتوسع الحراك الأكاديمي والنقدي، كلها عوامل أسهمت في هذا التحول، إلى جانب الحضور اللافت للكاتبات الإماراتيات خلال العقود الأخيرة، والذي منح المشهد الروائي الإماراتي ثراء خاصاً وأفقاً جديداً.

كما تناول علاقة الرواية التاريخية بالوثيقة، معتبراً أن الكتابة التاريخية السردية لا تكتفي بإعادة نقل المادة التاريخية كما وردت في المصادر، بل تحتاج إلى روح الكاتب وخياله وقدرته على إعادة بناء الحدث إنسانياً وجمالياً. وأكد أنه يميل إلى الرواية التاريخية التي تقرأ الوثيقة جيداً، لكنها تمنحها حياة جديدة داخل النص، وتعيد تقديمها من منظور سردي قادر على التأثير.

وأضاف أن الرواية تستطيع أن تعيد الحياة إلى الوثائق الجامدة المحفوظة في المكتبات والأرشيفات، وأن تحوّلها إلى تجربة حية يعيشها القارئ، ويرى من خلالها كيف كان الناس يعيشون ويتعبون ويحلمون ويواجهون تفاصيل يومهم.

من جانبه، تناول الروائي البولندي ويت شوستاك مفهوم الذاكرة بوصفه أحد المحاور الأساسية في الكتابة الأدبية، معتبراً أن الذاكرة ليست مخزناً ثابتاً للماضي، بل هي فعل إبداعي متجدد يعاد تشكيله في كل مرة نستعيده فيها. وقال إن اللغة نفسها تحمل ذاكرة أجيال متعاقبة، وإن كل حكاية تُروى عن الماضي تتغير مع كل استعادة لها، لأن التذكر نفسه فعل تأويل وإعادة بناء. وأوضح أن الأدب لا يحرس الذاكرة بوصفها أرشيفاً مغلقاً، بل يعيد تشكيلها داخل اللغة والحكاية ويمنحها معنى جديداً باستمرار.

التحولات الجمالية والفكرية

كما استضاف جناح الشارقة المشارك جلسة حوارية بعنوان «التحولات الجمالية والفكرية في الرواية الإماراتية والبولندية المعاصرة»، جمعت الكاتب والباحث الإماراتي د. سلطان العميمي والروائي البولندي راديك راك، وأدارتها الدكتورة بلانكا دوزجاي، وسط حضور من طلبة الدراسات الشرقية وأكاديميين وباحثين ومهتمين بالأدب العربي والبولندي.وفتحت الجلسة مساحة واسعة للنقاش حول الرواية بوصفها فناً عابراً للغات والثقافات، وقدرتها على الجمع بين المحلي والإنساني، وبين الخصوصية الثقافية والأسئلة المشتركة التي تتكرر في تجارب البشر عبر العالم.

واستهل د. سلطان العميمي حديثه بالتأكيد على أن اتساع حركة الترجمة بين العربية واللغات الأخرى أسهم في تقريب المسافات بين الآداب، وفتح الباب أمام القرّاء للتعرف إلى تجارب أدبية تنتمي إلى بيئات مختلفة، لكنه رأى أن الرواية اليوم لم تعد حبيسة جغرافيا بعينها، بل باتت تشتبك مع قضايا إنسانية كبرى مشتركة بين البشر. وقال إن موضوعات مثل الغربة والعاطفة والحب والحرب والعلاقة مع الآخر أصبحت نقاط التقاء واضحة بين الروائيين في العالم، مشيراً إلى أن التشابه بين الأعمال الروائية العالمية يذكّر بما نجده في الحكايات الشعبية من تقاطعات بين الشرق والغرب. وفي المقابل، قدّم الروائي البولندي راديك راك قراءة تأملية في العلاقة بين الأدب واللغة والترجمة، مؤكداً أن قوة الأدب تكمن في قدرته على تحقيق توازن دقيق بين ما هو محلي وما هو إنساني مشترك.

فن الحكاية

واستضاف جناح الشارقة في المعرض كذلك جلسة حوارية بعنوان «فن الحكاية عبر تجارب سردية من الإمارات وبولندا» تحدثت خلالها الكاتبة الإماراتية صالحة غابش والروائية البولندية ألبينا غرابوفسكا. وشكّلت الجلسة مساحة لتبادل الرؤى حول الكتابة الروائية وعلاقة السرد بالذاكرة والتاريخ والمكان ودور الترجمة في عبور النصوص بين الثقافات وكيف تتحول الحكايات المحلية المتجذرة في تفاصيل الحياة اليومية إلى نصوص قادرة على الوصول إلى قارئ بعيد جغرافياً وقريب إنسانياً.