اللهجات تظل أكثر محافظة ونقاءً في المناطق المعزولة أو الأحياء التي تسكنها قبيلة واحدة لم تختلط بغيرها بشكل كبير
يُعد كتاب «تحقيقات ودراسات في لهجات الإمارات» للباحث أحمد محمد عبيد، والصادر عن مركز حمدان بن محمد لإحياء التراث، مرجعاً بحثياً مهماً يوثق التنوع اللغوي في الدولة ويربطه بجذوره التاريخية والجغرافية. كما أنه يعتبر «مدخلاً لغوياً» يجمع بين التحقيق التاريخي والتحليل الصوتي، ويهدف إلى إبراز الثراء الذي تتميز به لهجات الإمارات باعتبارها مخزوناً ثقافياً وتراثياً لا ينفصل عن الهوية الوطنية.
فضلاً عن أن الكتاب ليس مجرد سرد عام، بل هو دراسة أكاديمية متخصصة مقسمة إلى أبواب فنية دقيقة مفصلة، حيث يتناول الفصل الأول منه «التأسيس اللغوي»، الذي يتحدث الباحث في مقدمته عن الإطار النظري وتاريخ نشأة هذه اللهجات، ليتطرق بعدها إلى الظواهر الصوتية في لهجات الإمارات مُتمثّلاً في كيفية نطق الحروف والمخارج التي تميز أهل الإمارات (مثل «الجيم» و«الكاف» و«الضاد»).
أما في الفصل الثاني من الكتاب، فيخصصه المؤلف للدراسات التطبيقية من حيث المفردات والاستعمال، وألفاظ طبيعة الأرض في اللهجات الإماراتية وما يتصل بذلك من المصطلحات المتعلقة بالتضاريس (الرمل، الجبل، البحر، الوديان) وكيفية تسميتها محلياً. لينتقل بنا المؤلف بعد ذلك في الفصل الثالث من الكتاب للحديث عن بيئة النخيل والزراعة والألفاظ الزراعية في اللهجة الإماراتية والمصطلحات المستخدمة في الري، الأدوات الزراعية، والمواسم.
الأصول التاريخية والقبلية
ومن أبرز النقاط التي احتواها الكتاب هو الأصول التاريخية والقبلية للهجة الإماراتية، حيث يؤكد المؤلف أن لهجات الإمارات ليست مجرد «عامية» حديثة، بل هي امتداد للغات القبائل العربية القديمة التي استوطنت المنطقة (مثل الأزد، عبدالقيس، تميم، وبكر بن وائل).
كما يشرح الكتاب كيف أدى توزيع القبائل بين السواحل، الجبال، والصحارى إلى نشوء تنوع لهجي غني؛ فلهجات الساحل الغربي تختلف عن الساحل الشرقي وعن المناطق الشمالية.
الظواهر اللغوية والصوتية
وركز الكتاب أيضاً على دراسة التغيرات التي تطرأ على الكلمات، ومنها:
• القلب والإبدال: مثل إبدال بعض الحروف أو تغيير نطقها بناءً على البيئة (مثل نطق الكاف جيماً فارسية في بعض المناطق).
• التباين اللهجي: رصد الاختلافات في المسميات بين المناطق، مثل اختلاف مسميات «جرعة الماء» أو «نخلة الركوب» أو حتى «قطرة الدم» بين الساحل الشرقي والغربي.
• تأثير البيئة: أفرزت البيئة البحرية والزراعية (النخلة) والجبلية مفردات خاصة بكل منها، وثقها الكتاب بدقة.
عوامل التغير والتأثير المعاصر
يشير الباحث في كتابه إلى تأثر اللهجات المحلية بوسائل الإعلام واللهجات العربية الأخرى (مثل الكويتية أو المصرية)، مما أدى أحياناً إلى ذوبان بعض الخصائص اللهجية القديمة وتراجعها.
أهمية التوثيق والمنهج البحثي
وفي خطوة لتكملة جهود سابقة، يستعرض الكتاب الدراسات السابقة في هذا المجال (مثل دراسات جونستون، فالح حنظل، وعبدالعزيز المسلم)، التي يعتبر المؤلف نفسه فيها حلقة من سلسلة مستمرة لتعميق البحث. كما يدعو الكاتب إلى دراسة لهجات الإمارات بشمولية أكثر لأن ذلك «واجب وطني».
وقد تناول الكتاب دراسات حالة، كدراسة «لهجة دبا»، حيث خصص الكاتب فصلاً كاملاً لمنطقة دبا، نظراً لخصوصية لهجتها التاريخية وتأثرها بالبيئة الجغرافية والاجتماعية.
ويوضح الكاتب أن المدن والمراكز السكانية الكبرى (الحواضر) تعمل كـ«بوطقة» تذوب فيها لهجات القبائل الوافدة إليها، حيث تسود لهجة الحاضرة وتفقد القبائل خصائصها اللهجية الأصلية مع الوقت بسبب الاختلاط اليومي. في المقابل، تظل اللهجات أكثر محافظةً ونقاءً في المناطق المعزولة أو الأحياء التي تسكنها قبيلة واحدة لم تختلط بغيرها بشكل كبير، سواء في المناطق البدويّة أو الجبليّة.
ويقدم الكاتب مدينة دبا كنموذج فريد، فهي رغم كونها حاضرة، إلا أنها حافظت على «النطق القديم» ولم تتأثر كثيراً باللهجات الوافدة أو المجاورة. ويشير الباحث إلى وجود «امتداد لغوي ساحلي» متشابه بين (دبا الحصن، ودبا الفجيرة، ودبا البيعة)، مع وجود اختلافات طفيفة في الخصائص الصرفية عند مقارنتها بلهجات قبائل الشحوح في الجبال المجاورة.
الأهداف العلمية للدراسة
يؤكد الباحث أن دراسة هذه اللهجات وتوثيقها ليس مجرد ترف فكري، بل هو وسيلة لإثراء البحث اللغوي الحديث، وتأصيل أنساب القبائل من خلال مقارنة ظواهرها اللهجية الحالية بظواهر لغات القبائل العربية القديمة. ويخلص الباحث إلى أنّ الكتاب يمثل رحلة استقصائية تربط بين «المكان» و«اللسان»، ويحاول استدراك ما قد يضيع من إرث لغوي نتيجة التمدن السريع، مع التركيز على دبا كحالة دراسية متميزة.
