الفن الإماراتي.. تاريخ يتجاوز ثلاثة أجيال

إيمان الحمادي
إيمان الحمادي

لا بد للباحث في تاريخ الفن الإماراتي أن يواجه مصطلح «الأجيال الثلاثة» للفنانين الإماراتيين أثناء بحثه، ورغم انتشار هذا المصطلح بشكل واسع في المعارض الفنية، فإن استخدامه غير دقيق، ولا يوثق الماضي ولا الحاضر، ويصعب استكمال سرد تاريخ الفن الإماراتي بناء عليه مستقبلاً.

بينما يبقى أساس تاريخ الفن، وهو الإنتاج الفني، مهملاً في سردية التأريخ المعتمدة على الأجيال.

يوهم مصطلح الأجيال الثلاثة الناس بأن تاريخ الفن الإماراتي بدأ حديثاً في ستينيات القرن الماضي، بينما يمتدّ الإرث الفني في الدولة إلى أكثر من مئتي ألف سنة مضت. أنتج خلالها سكّان المنطقة العديد من الأعمال التي اكتشفت خلال عمليات التنقيب في مناطق عديدة في الدولة.

ما زالت هذه اللقى الأثرية وسرديتها وتاريخها قيد الدراسة، وبالتأكيد يستحيل تصنيفها ضمن الأجيال.

تكمن أهمية توضيح امتداد تاريخ الفن، في أنه يعكس وظيفة الفنان الذي يصنع نتاجاً يشهد على تاريخ الحقبة التي عاشها، تنقل رؤيته للعالم مستقبلاً. وهذا ما يغفل عنه تصنيف الفنانين إلى ثلاثة أجيال بالتحديد.

ظهر هذا المصطلح في المعارض لأول مرة عام 2013، في معرض «25 عاماً من الإبداع العربي»، من تنظيم هيئة أبوظبي للثقافة والفنون.

تضمّنت المعروضات أعمالاً فنية لعدّة فنانين إماراتيين، وصنّف فنان واحد فقط في كتاب المعرض على أنه من الجيل الثاني، بينما أشير إلى بعض الفنانين بأنهم من جيل الشباب. استمرّ القيمون الفنيون بعدها باستخدام مصطلح «الأجيال الثلاثة»، في العديد من المعارض إلى اليوم، دون وعي حقيقي بمعنى المصطلح.

تكمن الإشكالية في أن معنى «الجيل» غير واضح في هذا السياق. الجيل عادة يعرف بالأشخاص الذين ولدوا في فترة زمنية واحدة، وحين نتحدث عن الفنانين، فإن عرضهم لأعمالهم هو ما يشكّل ولادتهم. وهنا نجد الخلل في التصنيف، لأن المدة الزمنية لكل جيل غير محددة.

فإذا دققنا في التصنيف، نجد أن الجيل الأول هم الذين بدأوا بعرض أعمالهم في ستينيات القرن الماضي، ثم الجيل الثاني الذين ظهرت أعمالهم بالتزامن مع الجيل الأول في الثمانينيات، بينما يمتدّ الجيل الثالث منذ التسعينيات ولا ينتهي.

فإذا كان المقصود ظهور الفنانين في كل عقد منذ قيام الدولة، لوجب تحديد فناني الجيلين الرابع والخامس، لكن لسبب مجهول، يغيب هذان الجيلان عن المشهد الفني، ولا يُتطرق لهما إطلاقاً.

تختلف الكتب والمعارض في تصنيف الفنانين ضمن الأجيال، ولا يوجد مصدر موثق وثابت للتصنيف.

قد نستطيع، ببذل بعض الجهد، تصنيف الأجيال الثلاثة بدقة، لكن جهودنا لن تكفي لتصنيف الأجيال الجديدة، والاستمرار بهذا التوجّه مستقبلاً، بسبب تداخل الأجيال، فجميعها معاصرة. توجد عدّة عوامل تصعّب استمرار التأريخ بهذا الأسلوب، فقد تغيّرت الظروف التي يظهر فيها الفنانون، فأصبح ظهورهم سريعاً ومختلفاً عما كان عليه في الماضي. فالفنان الناشئ اليوم يعرض أعماله قبل تخرّجه، ما يصعّب تصنيفه، كما يوجد فنانون من الجيلين الأول والثاني لم يكملوا مسيرتهم الفنية.

ويوحي تصنيف الأجيال بأنّ فناني كل جيل كانوا متواصلين أو مترابطين بشكل ما، وهذا غير صحيح، لأن بعض الفنانين طوّروا مسيرتهم الخاصة، دون الاختلاط بفنانين آخرين، بينما عمل بعضهم في مجموعات صغيرة، قبل أن يستقلّ كل منهم بمسيرته الخاصة.

ظهور أجيال من الفنانين هو أمر طبيعي الحدوث في كل مكان، ولا يُستخدم للتأريخ.

لو فكّرنا ماذا سيعني تصنيف الأجيال بعد خمسين أو مئة أو ألف عام من الآن؟ هل سيهتّم الباحثون بالتصنيف أم بالأعمال؟ نظرة سريعة إلى الماضي تفيدنا للإجابة عن هذا السؤال، فإذا نظرنا إلى تأريخ الفن في الغرب -نظراً لأنهم سبقونا في تأريخ الفن وتوثيقه- وتحديداً إلى عام 1550، نجد معضلة الأجيال مشابهة للخطأ الذي وقع فيه أول مؤرخ فني، جورجيو فازاري، الفنان والمعماري الذي حاول تأريخ الفن بتأليف كتاب «حيوات أبرز الفنانين والنحاتين والمعماريين».

اعتمد فيه على سير الفنانين للتأريخ، وأضاف الكثير من القيل والقال، كما تحيّز بشكل كبير لفناني منطقته فلورنسا، ولأصدقائه بشكل خاص.

ما جعل كتابه مصدراً غير موثوق، كونه لم يكتب على أسس علمية واضحة.

لكن كانت لديه فكرة واضحة عن الأعمال، ارتكز عليها في بناء سرديته ونظريته، وهي أن أفضل الفنانين هم من استطاعوا إنتاج فن يحاكي الفنون القديمة، باعتبارها الأفضل.

تلته تجربة مختلفة عام 1764، من المؤرخ يوهان وينكلمان، الملقّب بأب تاريخ الفن، الذي ألّف كتابه «تاريخ الفن في العصور القديمة»، درس فيه الأعمال اليونانية القديمة، معتمداً على الأعمال الفنية نفسها، وصفها وبحث في الأسباب الاجتماعية والسياسية والتاريخية والمناخية التي أدّت إلى ظهور أسلوب فني معيّن، في حقبة زمنية محدّدة، ونضجه ثم اختفائه.

اشتهر هذا الكتاب بشكل كبير، ولاقى قبولاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية، حتى أظهرت الاكتشافات أن الأعمال التي اعتمد عليها هي نسخ رومانية للأعمال اليونانية، وليست أعمالاً يونانية أصلية.

رغم ذلك، استمر تأريخ الفن باستخدام أسلوبه في التحليل والبحث، لتصنيف الأعمال الفنية ودراستها.

نجد في هذه التجارب أن تأريخ الفن في أي منطقة وكتابة السردية الخاصة به، يجب أن تعتمد على الفن نفسه، أي الإنتاج الفني وتطوّره، وليس على سير الفنانين، عكس ما نراه اليوم في ممارسات التأريخ الفنّي في الدولة، حيث تتشابه الكتب التي تحكي تاريخ الفن، بكونها تعرض مقابلات ومعلومات عن الفنانين ومسيراتهم الفنية، وتتحدّث عن الأجيال الثلاثة على حساب نشر وإبراز الأعمال الفنية، وتطور أساليبها في الدولة.

بالطبع الفنانون هم الأساس، ولولاهم لما وُجدت الأعمال، لكن التأريخ يعتمد على النتاج الفني بشكل أساسي، مع حفظ أسماء الفنانين.

التأريخ اعتماداً على الأعمال، يساعدنا على تحديد الأساليب الفنية في المنطقة، من حقبة ما قبل التاريخ إلى اليوم، وتحديد الأعمال البارزة، والتي يمكن اعتبارها أيقونية في تاريخ الفن الإماراتي.

كما تظهر الجماليات ومفهومها عند الفنان الإماراتي وتطوّرها في حقبة ما قبل الاتحاد، من خلال الحرف اليدوية، والبيئة التي عاش فيها الفنان، واستلهم منها في أعماله.

يحتاج هذا التوجّه إلى إنشاء سجّل وطني للأعمال الفنية، من حقبة ما قبل التاريخ إلى اليوم، يمكّن الباحثين من التحليل والمقارنة، وكتابة تاريخ الفن الإماراتي بطريقة أكاديمية ومحايدة، كما يتيح لمقيّمي المعارض استكشاف مواضيع مختلفة، بعيداً عن تأطير ممارسات الفنانين واختزالها في المقارنة بين ثلاثة أجيال.