جائزة مقال الكاتب المقيم .. بلاد تُحيي الفؤاد

هند خليفات
هند خليفات

لطالما تعلق الإنسان بالتاريخ، كيف لا وهو من خطَّ سير حياته على هذه الأرض وراكم خبراته لتطويع أصعب ما فيها؟ لكن هل تساءلت يوماً عن صدى الجغرافيا في وجدانك، فيما تتركه مدنها داخل طباعك لا ذاكرتك فقط؟ إن للأمكنة روحاً خفية تتسلل إلى تفاصيلنا اليومية، فتغير إيقاع خطواتنا، ونبرة أصواتنا، وحتى طريقة أحلامنا. بعض المدن تمر بنا عابرة، وبعضها يعيد تشكيلنا من الداخل، كأنها تعيد كتابة ملامحنا بهدوء وثقة.

أن يتم إعادة تشذيب روحك من خلال عادات المكان الجديد الذي تنتقل إليه هو أمر يحدث في حياتك لو كنت من المحظوظين أو الموهوبين، وللأمانة هذه جنة المحترفين والمبدعين في العالم. هنا لا تُستهلك الطاقات في معارك جانبية، بل تُوجَّه نحو البناء والإتقان. هنا تتعلم أن الوقت قيمة، وأن الجودة أسلوب حياة، وأن السعي يمكن أن يكون هادئاً لكنه عميق الأثر.

عن مجتمع أعطيه عشرة نجوم لو كان هناك معايير تصنيف تليق بمستوى التهذب العام، كما الذوق العام هنا في هذه البلاد المبروكة. مجتمع يعرف حدوده كما يعرف طموحاته، ويوازن بين الانفتاح والهوية، وبين الحداثة والأصالة. في التفاصيل الصغيرة ترى احترام الإنسان للإنسان، وفي المواقف الكبرى ترى حكمة القيادة ونبل المقصد.

عن قواعد الحب بعد الأربعين أتحدث، عن الإمارات، حيث يكون قرارك بالحب منسوجاً من خيوط وخبرة السنين، وفيه يعمل العقل قبل القلب بشوط أو اثنين. هو حب ناضج، يعرف قيمة الاستقرار، ويقدّر المعنى قبل المظهر، ويبحث عن الجوهر قبل الضجيج. هنا تتعلم أن العلاقات تبنى كما تُبنى المدن؛ أساس متين، رؤية واضحة، وصبر طويل.

حين يتحدث البعض عن الإنجازات، تصمت الإمارات وتتحدث بعلو الصوت شهادات حية من أصقاع العالم عن وقع مرور كوكب الإمارات على حياتهم وأعمالهم وحتى طريقة تفكيرهم. قصص نجاح جاءت من كل اللغات والثقافات، وجدت في هذه الأرض فرصة عادلة ومساحة آمنة لتكبر. الإنجاز هنا ليس شعاراً، بل ممارسة يومية تتكرر بصمت وإصرار.

طاقة هذه البلاد هي طاقة إبداعية حياتية، تكون محظوظاً لو تعلمت منها أو نهلت من فيضها أو درست حالتها، لأنها حقاً طاقة سعادة ومسار إعمار حقيقي. إعمار الأرض الحقيقي هو بصون روح الإنسان، من وقف هدر طاقاته بالقلق والتوجس والمنافسة غير العادلة وصد النيران الصديقة وغير الصديقة، وهنا يأتي منهج الخالد في ذاكرتنا زايد الإنسان في تحقيق كل هذا منهجاً وأسلوباً ودياراً ووطناً.

إعمار الأرض بالسماح لموهبتك بأن تنمو، ولثمار فكرك بأن تنضج، ولذائقتك بأن تتطور، وبأن تجد الوقت والطمأنينة لتلتفت لنفسك فتقرأها وتشذبها وتسمح لها أن تتشافى من خذلان أو خيبات، وكل هذا ما صنعته الإمارات وترجمه بتأنٍ وحكمة واقتدار صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله الذي منحنا شعور المعطف الذي نرتديه كلما مر بالعالم برد الصراعات وتوجس الجهات، كان العالم يضطرب وكانت الإمارات تحتضننا ومن عقولنا وقلبنا يومياً تقترب.

في البيئات السليمة لا يوجد نجاح يتم محاربته أو إقصاؤه، في البلاد الحنونة تجد الخير واسعاً شاسعاً قادراً أن يتشاركه من في البلاد، وحيثما مدت إماراتنا كفوفها بالخير، ترمم جرحاً هناك، وتطبب ألماً، وتعمر أملاً، وتستحمل كل هذا رغم بعض الأصوات الناعقة بالفشل والسواد. الخير هنا فعل مستمر، لا ينتظر تصفيقاً ولا يخشى تشكيكاً.

بالحديث عن أرض الأحلام، معظمنا اختبر سردية الحلم الأمريكي الذي تم تصديره للعالم عام 1932 حيث جنة العدالة والفرص، لكن هذا الحلم لم يصمد طويلاً وأصبح هذا الحلم للبعض يشكل كوابيس وقلقاً حياتياً ووظيفياً واقتصادياً، فتداعى الحلم الأمريكي شيئاً فشيئاً. وبهدوء واتزان وحشمة واحترام أنبتت العقول الإماراتية منذ زايد وراشد هذه البيئة التي هي اليوم عماد الحلم الإماراتي بحق واقتدار.

أبراج ترتفع، خوادم ذكاء اصطناعي تُبنى من الإمارات للعالم، مسبار فضائي ينجز أبحاثاً علمية، براءات اختراع طبية وحياة فنية حقاً كأنك تعيش في متحف أو مؤسسة عريقة ثقافية، كل هذا وهناك جذور لا تتبدل، حيث الأصالة والسنع الذي يغلف تفاصيل الحياة الإماراتية. التطور هنا لا يقتلع الهوية، بل يزينها ويمنحها أفقاً أوسع.

يستحيل أن تجد «تايم لاين» إماراتي في منصة تواصل اجتماعي يهجم أو يتجنى أو يستخدم الإشاعات، التربية الإماراتية تعادل أضعافاً من التربية في كثير من مجتمعات حول العالم. أن تكون إماراتياً ليس مجرد موطن وجنسية، إنما هو وصف لحالة جودة وترجمة حقيقية لكيف يمكن أن يعيش الأشخاص والمجتمع في جنة بنسخة أرضية.

الجنة الأرضية التي فيها تلتفت لطموحك وتختبر قدراتك وتطلق العنان لأفكارك، وأن تتعلم وأن تطلق نسختك الفضلى، وأن تعيش سنين العمر وأنت مشغول بقصتك وتترجم معنى وجودك وتختبر قيمك وتدمجها مع هذا المجتمع الذي يجيد احتضانك مهما تباينت ثقافتك وعرقك وحتى مراحل عمرك. هنا لا يُسأل المرء من أين أتى، بل إلى أين يريد أن يصل، وكيف يمكن للجميع أن يصلوا معاً.

أصبحت اليوم أكثر تفهماً لكيف تفرز المجتمعات المشوهة نسخة حاقدة حانقة من أي تقدم، تلك المجتمعات التي تتغذى على الإشاعات ويصعب عليها رؤية نموذج تفوق الإمارات، وقد يكون تقبلها لفكرة التفوق ضرباً من خيال علمي شاسع. غير أن الحقيقة تبقى راسخة، فالنماذج المضيئة لا تحتاج إلى صخب لتثبت ذاتها، يكفيها أثرها في النفوس وثمارها في الواقع.

يتنقل القلب بين المدن، لكنه حتماً يجد السكنى والسكن في بلاد تُحيي الفؤاد، حيث الإمارات وعاصمتها أبوظبي التي فيها تعيد بعث نسختك الأجمل وتصنع مجدداً لك الميلاد. ليست الأماكن مجرد محطات نمرّ بها، بل أحياناً نحن الذين نخرج منها مختلفين، لأن هنا الإمارات، هنا خارطة السبع سعادات، وهنا المعنى حين يلتقي الطموح بالطمأنينة، والعمل بالأمل، والإنسان بالإنسان.