صناعة النشر في عصر الذكاء الاصطناعي بين تسريع الإنتاج وأزمة الحقوق

لم يعد الحديث عن تأثير الذكاء الاصطناعي على صناعة النشر في العالم العربي مجرد توقعات مستقبلية، بل أصبح واقعاً ملموساً يعيد تشكيل ملامح هذه الصناعة من جذورها، ونكتشف من خلاله أبواباً جديدة تنقلنا في عالم الأدب بشكل عام.

وبينما يرى البعض في هذه التكنولوجيا فرصة ذهبية لتطوير المحتوى وتوسيع انتشاره يحذر آخرون من تداعياتها على جودة الإبداع وحقوق المؤلفين، وحق الناشر المادي والفكري، في معركة مفتوحة بين الابتكار والحفاظ على الهوية الإنسانية للأدب.

تشير دراسات حديثة إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة مساعدة بل أصبح عنصراً فاعلاً في كل مراحل النشر، بدءاً من كتابة النصوص، مروراً بالتحرير والمراجعة، وصولاً إلى التوزيع وتحليل سلوك القراء.

ويؤكد خبراء في دور نشر أن الصناعة تشهد «مرحلة غير مسبوقة من التحول»، حيث دخلت تقنيات الذكاء الاصطناعي في أكثر من 200 استخدام مختلف داخل قطاع النشر، من بينها اقتراح المحتوى، وتحسين جودة النصوص، وتسريع عمليات النشر.

لم يكن استخدام الذكاء الاصطناعي في عملية النشر، وفق آراء نقاد؛ إلا سلاحاً ذا حدين لصناع المحتوى الأدبي، ومن يأخذ الإيجابي فلم يكن بمنأى عن السلبي أبداً، فعلى سبيل المثال تسهم تقنيات الذكاء الاصطناعي في تسريع عملية إنتاج الكتب والمحتوى بشكل غير مسبوق، حيث أصبحت أدوات الكتابة والتحرير قادرة على مساعدة المؤلفين في صياغة النصوص، وتصحيح الأخطاء اللغوية، وتحسين الأسلوب.

كما تتيح هذه التقنيات للناشرين إمكانية إصدار محتوى بجودة عالية وفي وقت قياسي، ما يعزز من تنافسية السوق.

وفي هذا الشأن يقول د. زين عبد الهادي، مقرر لجنة الكتاب والنشر بالمجلس الأعلى للثقافة المصري لـ«البيان»، إن استغلال الذكاء الاصطناعي في صناعة النشر لم يحدث بشكل كبير في الوطن العربي.

وتابع: «بل إن الأمر لم يتم استخدامه إلا بشكل طفيف، وحين استخدامه سيعرف الجميع أهميته الكبرى، فيمكن استخدامه في إدارة صناعة النشر، شاملاً الاتصال بالناشرين، وتنظيم المعارض، وإدارة عمليات الإنتاج من النواحي الإدارية، المالية، واللوجستية».

ولكن من ناحية أخرى يرى البعض أن مع استخدام الذكاء الاصطناعي سيكون هناك تخوف كبير من قولبة الأفكار والحقوق الفكرية حول ما إذا كان المنتج يعود إلى الذكاء الاصطناعي أم للشخص الذي أكمل الفكرة بعد اقتراحها منه.

ووسط هذه الآراء، ومع حقوق النشر، نجد أن هناك أزمة كبرى لا بدّ من أخذها بالاعتبار، وهي أن للذكاء الاصطناعي تأثيراً سلبياً، حيث يصل بالمعلومة مباشرة إلى القارئ دون العودة إلى المصدر، هذا بالإضافة إلى أن الذكاء الاصطناعي يقوم بتوجيه القارئ إلى بعض الكتب عن غيرها.

وهذا ما أكدته أحدث الأبحاث الأجنبية في «الإندبندت»، مؤكدة أن القولبة مع الذكاء الاصطناعي أصبحت صعبة، كما أنها تعرّض أصحاب دور النشر إلى رفض كثير من الأعمال الأدبية لتشابهها وعدم واقعيتها.