من قتل ملامحنا؟

كان للمكياج، يوماً ما، شخصية تشبه صاحبتها. امرأة تُعرف بالكحل الثقيل، وأخرى بالشفاه الحمراء، وثالثة بخط آيلاينر مرتجف لكنه يحمل شيئاً من روحها. كان المكياج امتداداً للمزاج والهوية والذوق وحتى التمرد أحياناً.

أما اليوم، فيبدو أن الوجوه بدأت تفقد اختلافها ببطء، ندخل إلى وسائل التواصل فنرى الملامح نفسها تتكرر: البشرة نفسها، والكونتور نفسه، والشفاه نفسها، والحواجب نفسها وحتى "اللمعة" ذاتها كأن العالم قرر فجأة أن الجمال يجب أن يُنسخ، لا أن يُكتشف.

خوارزمية الجمال

المشكلة لم تعد في المكياج نفسه، بل في الطريقة التي تصنع بها المنصات مفهوم الجمال، فالخوارزميات لا تكافئ الوجه المختلف دائماً، بل الوجه "المألوف بصرياً"، والوجه الذي يشبه ما نجح سابقاً، وما حقق مشاهدات أعلى، وما يبدو مناسباً للإعلانات والعلامات التجارية، وهكذا، بدأ المكياج يتحول من أداة تعبير شخصية إلى "قالب نجاح" رقمي.

شخصية مفقودة

في التسعينات وبدايات الألفية، كان من الممكن تمييز حقبة كاملة من طريقة المكياج: سموكي أسود وشفاه بنية ولمعة مبالغ فيها أو حتى ألوان غير متناسقة تماما، لكن ذلك كان جزءاً من الشخصية. لم يكن الهدف أن تبدو كل النساء “مثاليات”، بل أن تبدو كل واحدة مختلفة.

وجه رقمي

أما اليوم، فالكثير من المكياج يبدو كأنه صُمم للكاميرا أكثر من الإنسان الحقيقي، حيث غيرت وسائل التواصل  وظيفة الوجه نفسه، فلم يعد فقط شيئاً نعيش به، بل شيئاً يُعرض باستمرار في الصور، والفيديوهات، والقصص، والبث المباشر، ومع هذا العرض الدائم، بدأ المكياج يفقد عفويته ويتحول إلى "واجهة مستخدم" مصممة بعناية، وحتى العيوب الصغيرة التي كانت تمنح الوجه ذاكرته الإنسانية بدأت تختفي مثل الهالات، واختلاف شكل العينين والخطوط التعبيرية أو حتى شكل الابتسامة الطبيعي.

تأثير التجميل

ثم جاءت الفلاتر والحقن والتعديلات التجميلية لتكمل الدائرة، فالناس لم يعودوا يضعون المكياج فوق وجوههم فقط، بل فوق نسخة رقمية مثالية من أنفسهم. ومع الوقت، بدأت الوجوه الحقيقية تبدو غريبة مقارنة بالنسخة المعدلة التي تراها العين يومياً على الشاشة. ولهذا لم يعد المكياج يغيّر الملامح فقط، بل يغيّر فكرة "الوجه الطبيعي" نفسها.

اقتصاد التشابه

وراء ذلك كله، هناك صناعة كاملة تستفيد من التوحيد البصري تشمل: "المنتجات نفسها، الإطلالات، الاتجاهات والتحديات"، فكلما تشابهت معايير الجمال، أصبح تسويقها أسهل، ولهذا يبدو أحياناً أن شخصية المكياج ماتت ليس لأن النساء فقدن الإبداع، بل لأن السوق الرقمي يكافئ التكرار أكثر من الاختلاف.

مقاومة صغيرة

لكن وسط كل هذا، بدأت تظهر أيضاً موجة معاكسة من أبرزها عودة المكياج الخفيف، والبشرة الطبيعية، والألوان غير المتناسقة أحياناً، وحتى "عدم الإتقان" المقصود، كلها تبدو كأنها محاولة لاستعادة شيء إنساني فُقد وسط الوجوه الرقمية المتشابهة، وكأن بعض النساء بدأن يقلن: لا نريد أن نبدو مثاليات… بل حقيقيات.

ربما لا تتعلق القصة بالمكياج وحده، بل بالخوف الحديث من الاختلاف نفسه، فالإنترنت يحب الوجوه القابلة للتكرار، لكن الشخصية الحقيقية غالباً تعيش في الأشياء غير المثالية مثل وجه يشبه صاحبته أكثر مما يشبه الخوارزمية، ولهذا ربما لم تُقتل ملامحنا بالكامل، لكنها أصبحت أهدأ… وتحتاج شجاعة أكبر كي تظهر.