العالم فقد أنفه.. وخرائط منسية بلا عطور

لا تتغير الطبيعة بصوت المناشير وحدها، ولا بلون الدخان في السماء، ولا بصورة الغابات وهي تنحسر على خرائط الأقمار الصناعية. هناك تغيّر آخر لا نراه، لكنه يمر من أعمق أبواب الذاكرة: الرائحة.

لكل مكان رائحته. للبحر رائحة، وللمطر حين يلامس التراب رائحة، وللغابة بعد الفجر رائحة، وللمدن أيضًا روائحها: خبز، قهوة، رطوبة، إسفلت ساخن، زهور في ممر ضيق، ومكب نفايات يفرض حضوره على حي كامل. هذه ليست تفاصيل جانبية.. إنها خرائط غير مرئية، تقود الكائنات، وتشكل الذاكرة، وتمنح المكان هويته.

في تقرير حديث نشرته "ييل إنفايرونمنت 360"، تعود فكرة المشاهد الشمية أو خرائط الروائح إلى الواجهة. المصطلح، الذي ظهر في الثمانينيات، يصف مجموع الروائح في منطقة جغرافية معينة. لكن الجديد اليوم أن الإنسان لا يغير شكل البيئة فقط، بل يغير رائحتها أيضًا. التلوث، والكيماويات، والزراعة الصناعية، وحرائق الغابات، وتغير المناخ، كلها تعيد كتابة الهواء بطريقة لا تلتقطها العين.

بالنسبة للبشر، قد تبدو الرائحة حاسة ثانوية مقارنة بالبصر والسمع، فنحن نرى الخطر قبل أن نشمه غالبًا، ونوثق العالم بالصور لا بالروائح. لكن في الطبيعة، الرائحة لغة أساسية. فهناك كائنات كثيرة تعرف طريقها، وطعامها، وشركاءها، وأعداءها، ومواسمها عبر الإشارات الكيميائية، ولذلك حين تتغير الرائحة، لا يتغير الهواء فقط، بل يتغير معنى المكان.

الفراشات، مثلًا، تعتمد على روائح النباتات لتجد موضع الغذاء أو البيض، والأسماك تستخدم الروائح للعودة إلى موائلها، أما الحيوانات المفترسة والفرائس تقرأ بعضها عبر آثار لا نراها، فإذا غطى دخان أو ملوث أو مادة كيميائية على هذه الإشارات، تصبح الطبيعة كمدينة فقدت لافتاتها، وتموت الكائنات لأنها لا تستطيع أن تفهم العالم كما اعتادت

وهنا يكمن الرعب الهادئ في الفكرة: نحن لا نضيف رائحة سيئة إلى المكان فحسب، بل نربك نظامًا كاملًا من التواصل و"نشوش" الهواء. الرائحة التي كانت تقول "هنا طعام" أو "هنا خطر" أو "هنا طريق العودة" قد تختفي تحت طبقة بشرية من العادم والدخان والمواد الصناعية.

تقود الباحثة والمصممة كيت ماكلين ما يسمى بـ"مسيرات الشم"، حيث يخرج المشاركون إلى الشوارع ويسجلون ما يشمونه: نوع الرائحة، شدتها، مدتها، هل هي محببة أم مزعجة، وما الذكرى التي تستدعيها. ومنذ عام 2011، رسمت ماكلين خرائط شمية لنحو 40 مدينة حول العالم، من باريس إلى كولكاتا وأمستردام، محاولة أن تمنح الرائحة لغة بصرية يمكن مشاركتها.

وفي دراسة بعنوان "خرائط ذات رائحة: الحياة الرقمية للمشاهد الشمية الحضرية"، حاول باحثون رسم روائح لندن وبرشلونة باستخدام بيانات من صور ومنشورات جغرافية على منصات مثل "فليكر" و"إنستغرام" و"إكس". ووجدوا أن الكلمات المرتبطة بالروائح يمكن تصنيفها في 10 فئات، منها الطعام، والطبيعة، والنقل، والصناعة، والتنظيف، وأن بعض هذه الفئات، مثل الصناعة والنقل والتنظيف، ترتبط بمؤشرات جودة الهواء الرسمية. بمعنى آخر، ما يشمه الناس قد يكون أحيانًا إنذارًا بيئيًا قبل أن يتحول إلى رقم في محطة قياس.

لكن الرائحة ليست مسألة جمالية فقط. إنها مسألة عدالة أيضًا، فالأحياء الفقيرة أو الأقل نفوذًا قد تتحمل روائح المصانع، والنفايات، والطرق السريعة، ومحطات المعالجة، أكثر من غيرها. حيث وجدت دراسة عن مدينة دنفر الأميركية، بين عامي 2014 و2023، أن المناطق الأكثر فقراً كانت أكثر تعرضًا للمنشآت ذات الروائح المزعجة المحتملة، مما يعني أن الأنف، مثل الرئة، قد يكشف خريطة اللامساواة.

لذلك، حين نتحدث عن رائحة المدينة، لا نتحدث عن رفاهية شاعرية فقط، بل نمهد الطريق لحوارات أعمق وأهم عن الصحة، والكرامة، والحق في هواء لا يحمل إهانة يومية.. وأن يعيش إنسان قرب رائحة لا يختارها، ولا يستطيع الهروب منها، يعني أن بيئته تُفرض عليه بحاسة لا يستطيع إغلاقها.. فالعين يمكن أن تلتفت، والأذن يمكن أن تضع سماعة، أما الأنف فحارس مفتوح على العالم.