المقاتل يتكلم إلى مراسل «الجزيرة» من معبر ذهيبة، على الحدود التونسية الليبية. الثوار أحكموا السيطرة على المعبر بعد معارك شرسة مع كتائب القذافي. صوت عصافير قوي يشوش على تركيزي حول التصريحات. من أين هبّت العصافير؟ أترك السرير وأتحرك إلى باب الشرفة. أزيح الستارة وأبحث. غريب لا اثر لعصافير لكن صوتها لا يزال حادا قويا في أذني. ألتقط جهاز التحكم. أحدد خاصية «صمت». يختفي صوت المراسل والمقاتل والعصافير. أبتسم. العصافير تأتي من «ذهيبة» إذاً. من تلك البلدة التي يعبر منها آلاف اللاجئين «في الصبح خفافا».

هنا، يخلعون رداء الخوف والبؤس والجوع. حارس الحدود بات مقاتلا من أبناء جلدتهم. يقبلون جبينه. ينثرون قليلا من الفرح على وجهه المغبر برمال الصحراء ورائحة البارود. وهو يطمئنهم بأن هناك ثمناً لرحلة العذاب التي قطعوها. أن الحرية تستحق بالتأكيد هذه العذابات المتكومة عند معبر «ذهيبة».

هذا لاجئ صيني، وهذا مصري وذاك أوغندي. وتلك عائلة ليبية فرت من قنابل عنقودية صبها «ملك ملوك إفريقيا» المجنون على «رعيته». لم يسبق لها أن زارت «ذهيبة». تلك التي يختزن تاريخها الحكايا والأساطير. هنا عايش الرومان البربر وأشرفوا على قوافل التجارة بين الشرق وأفريقيا الموغلة في القدم ، المدغلة في الأسرار. وهنا، اكتشف الباحث الفرنسي لا بارون، في خمسينيات القرن الماضي بقايا ديناصورات ومتحجرات تعود إلى مائة وخمسين مليون سنة. وهنا، ثار الأهالي على المستعمر الفرنسي وقدموا الشهداء، ثم أمدوا ثوار ليبيا بكتائب الجهاد ضد المستعمر الايطالي. وهنا، رفع الثوار قبل أيام علم ليبيا الحرة.

وفي البدء، كانت «ذهيبة» وكانت عصافيرها تزقزق حرة، تحلق فوق ديناصورات الرعب الفرنسية والايطالية و«القذافية» المجرمة. إنها بلدة لها معبر يودي دوما إلى تاريخ من النضال والمقاومة. معبر العصافير الحرة!