كل عربي في بؤرة الحدث هو اليوم «شاهد عيان». وهو، إن لم نشاهده على الشاشة، متظاهراً أو، لا سمح الله، جريحاً أو مقتولاً، سنستمع إلى صوته على شاشة أخرى كــ«شاهد عيان». فقد ولى زمن كان هذا فيه هذا المواطن، ليس شاهداً ولا «عياناً»، إذ هو لا يتكلم ولا يسمع ولا يشاهد ولا يعاين.

 

ولا هو عيّنة عن معنى المواطنة أصلاً، فحقوقه الأولية مهدورة، وعلاقته بالسلطة الحاكمة، علاقة إرهاب وترهيب، ناهيك عن علاقة «حاميها حراميها».

 

وكان المواطن البائس إن تجرأ على كلمة الحق في وجه «السلطان» الجائر، يقطع لسانه. وإن تلصص، ثم تبصر، في ما «لا دخل له به» فُقئت له عين أو اثنتان. وإن استطال فوق الأسوار ليناظر خيرات منهوبة وأموالا مصبوبة، دقت رقبته رصاصة في الحلق، فتغرغر بروحه واختفى.

 

لكن الوقت تغير، واستعاد المواطن البائس رقبته وعينه وأذنه ولسانه. وبات على كل الفضائيات الأجنبية والعربية يستخدم كل قدرات الوصف لديه لكي يوصّف المجزرة القريبة منه، أو الحريق المشتعل في مبنى، أو الأطفال الشاردين على مخيمات حدودية ترفعت عن استقبالهم.

 

وعرفت السيدة هيلاري كلينتون أخيراً أين تقع مدينة «حمص» السورية و«مصراتة» الليبية، بفضل شاهد العيان وتقاريره.

 

وعرفنا سياسة القنوات الفضائية الإخبارية، الخارجية والداخلية، بفضل تبدل علاقتها بشاهد العيان بين ساحة وأخرى. فــ«الجزيرة» - على سبيل المثال - تتبع سياسة خاصة تجاهه في مصر، لم تنتهجها في الأيام الأولى لاستعار الأحداث في سوريا.

 

فهناك الشاهد مقدر وموثوق، وبوسع المذيعة أن تدعو له بالسلامة، بينما كان في دمشق مشككاً به، ومردوداً عليه، تتم محاججته كأنه مفبرك للأخبار لا ناقلها فقط. لكن الأمر سرعان ما تغير وعاد شاهد العيان ليفرض مهابته على الجميع.

 

لم يكن المواطن أصلاً مواطناً في عالمنا العربي، ولم يحصل بعد على هذه الرتبة، لكنه في طريقه إليها في كثير من البلدان. لأنه تجرأ فخرج عن صمته وعاين.. وتكلم!