سيدتي، شكراً لصفعتك، فقد صفعت رقادنا وهزت تبلّدنا وأراحتنا من الكوابيس وشياطينها. شكراً، فادية حمدي، شرطية البلدية في «سيدي بوزيد»، فقد أشعلت، بهنّة ساذجة، حرائق لن تنطفئ إلا وعالمنا العربي أفضل، وشبابنا العربي لا يطرد من على الأرصفة، ولا يشحن في طائرات الهجرة أو في سجون التعذيب. وسواء عرفت أم لم تدر، وسواء أضربت عن الطعام أو شبعت، أو حوكمت أو تمت تبرئتك، فما حصل حصل، ولن تعود عجلة الزمان إلى الوراء.

وقد دخلت التاريخ، واسمك مع شهيد الثورة الأول البائع المتجول محمد البوعزيزي، باقيان مقترنين ببعضهما إلى الأبد. وستحملين عربته على ظهرك طول الأيام، يجلس متربعاً، يطل من العربة، فيرمي زهوراً على أحرار يجوبون الشوارع ويملؤون الساحات ليل نهار، يطالبون بحرية وغد أفضل، ويرنو مرة أخرى على أطفال ونساء يقتلهم الجنون والحقد والكراهية، فينثر عليهم أوراق الغار، ويقوم ليرتب الوسادات ليرقدوا معه في العربة العملاقة، وأنت تنوئين بحملها، ولا يزعجك الأمر، فتمضين في درب العذاب مكفّرة عن خطأ صغير، أودى إلى الخلاص من خطايا وخطاءين.

شكرا، صافعة البوعزيزي، فقد شاء القدر أن يرميك على نقطة تقاطع تاريخية على خارطة العرب، حين وقفت غاضبة هازئة، وصعد الدم إلى رأسك، وضربت البائس الفقير، فأحرق نفسه، كما فعلت مدن غابرة في التاريخ، دفاعاً عن كرامتها المهدورة، حين عجزت عن مقاومة السلطة الغاشمة. وامتد الحريق إلى كل القلوب المبللة بسائل الحسرة والألم سريع الاشتعال، سائل واحد جبلت به قلوب العرب على مدى عقود طويلة.

نشفع لك، ولا ننسى البوعزيزي، نترحم عليه، وعلى كل من سال دمه في بورقيبة وميدان التحرير ومصراتة وبانياس وتعز وصنعاء وساحات وشوارع تسطر على جدرانها ويحفر على أسفلتها أسماء خالدة حررتنا من سبات.. الكهف!