هذه قصة واقعية حصلت معي بداية العام الجاري الذي لم يتوقع أحد من المنجمين ولا المهرجين ولا المجرمين أن يكون عاما تاريخيا في سجلات العرب على امتداد قرن. ولجت السنة بجسد خامل، سرعان ما تحول الى مجموعة عضلات لا تقو على السير ولا زيارة النادي الرياضي، أو حتى قيادة السيارة بارتياح. كانت المؤشرات كارثية، وحسابات الخوف مما هو "مخفي" تتفاقم كل ساعة. واعتل مزاجي، وانسل رعب الى قلبي، واحتل اليأس بعض الفضاءات في داخلي. وقررت زيارة الطبيب، فأمعن وتفحص، وفي التقارير صفن وعلى الارقام تلصص، وجزم في النهاية ان الحال خطير، وانه بحاجة الى استشارة "خبير". وهاتف زميله "الأخصائي"، وسمى الحالة التي يظنني فيها بالانجليزية. وتركني وذهب، فقلت: أبي يتركني على باب المدرسة، أو أمي تتركني عند مدخل السوق، أو الحب يتركني على نافذة غرفة مسدلة الستارة في يوم ربيعي. وقابلني الأخصائي، وفتح الانترنت قبالتي، وأبحر وتبحّر، وخلص أنه: لما كان جسدي يهاجم جسدي، في مرض نادر، يتقاتل فيه الانسان مع نفسه، ظنا منه أنه يقاتل عدوا، لكي يحمي الجسد، فهذا يستوجب علاجا فوريا. "نشق الجسد، ندخل مادة الكورتيزون، نجعلها تتغلغل لتحيط بالعناصر المدمرة، وتعزلها عن الدماء. علينا قبلها أن ندخل في عامودك الفقري حقنة عملاقة (بعض مشاهد من الرسوم المتحركة ضربتني في تلك اللحظة) ونسحب عينة من نخاعك الشوكي لكي نجري تحليلات اضافية". قلت في نفسي: هذا هراء. فإذا كنت أهاجم نفسي، فعلى شيء ما "في نفسي" ان ينتفض لكي يحميني، ويحمي "نفسي".
واستخدمت دفاعاتي الصحفية، فقلبت الموقف الى مقابلة، وجررته الى أفخاخ الحوار، وعرفت أنه وفد حديثا الى البلد، وأنه يقصفني بما تلقنه اياه الانترنت مباشرة، بانيا تشخصيه على افتراض أوصله الى نخاعي الشوكي. حتى أنه زاد "حين يهاجم الجسم نفسه فهذا مرض نادر لا يحصل الا في أوساط اليهود". واحترت اضحك أم أضربه، وخفت من "معاداة السامية" فصمت.
وقال: نعرضك على أخصائي ثالث قبلها. وجاء هذا بجهاز كهربائي. وصعقني ليمتحن العضلات. وتذكرت جاك نيكلسون في "فوق عش المجانين حلقت". وأفتى بأنني تمام ولا أحتاج حقنة ولا كورتيزون. وجرى جدال في الغرفة تطايرت منه عبارات:" أنا اتبع المدرسة البريطانية وأنت الأميركية"، وأيضا "زوجتي طبخت لي اليوم لوبياء بزيت"، و"لن أتمكن من متابعة الحالة في حال دخوله المستشفى، فشركة الاتصالات ستثبت لي الانترنت وعلي التواجد داخل البيت في الويك آند". وفجأة جاءت الممرضة الفلبينية لتعتذر وتحسم الأمر: آسفة، حصلنا للتو على نتيجة متأخرة. لديك نقص في فيتامين دال. عدة كبسولات برتقالية اللون تكفي. شكرا لك وعذرا على الازعاج.
وتذكرت هذه الحادثة قبل أيام وأنا اتأمل في انقضاء أول ربع من السنة. وفكرت أن الجسد العربي كان ضعيفا ومشلولا، وظن أنه يهاجم نفسه وانه منقسم، ولا يتدرب ولا يقو على القيادة، ودمه يفجر نفسه، ويمرض كما "اليهود" (على ذمة الدكتور)، واتضح أنه يحتاج فقط الى كبسولات العزة والكرامة ليحدث ثورة نارية برتقالية اشهى.. من الفيتامين دال!