ظننت أنه عاد. بدا شبيهاً له. حدّقت أكثر: هل هو فعلاً الجندي البريطاني دارين لاركين، ذلك الذي انتشرت صوره قبل سنوات، وأضحى عنواناً لأبشع أشكال التعذيب و الذل والمهانة التي عرفها البشر في التاريخ الحديث، أقلّه؟

 

هل تتذكرون دارين، من كتيبة حملة البنادق الملكية، الذي كان بين أوائل أرتال جنود بريطانيا الذين اجتاحوا العراق قبل ثماني سنوات، من أجل «تحريرها» فاغتصبوا النساء و قتلوا الأطفال وعرّوا الرجال؟

 

تفننت كتائب «الملكية» (نسبة الى التاج الذي نحتفل اليوم بعيد مليكته) في اجبار عراقيين على تنفيذ طلبات مريضة وشاذة.

 

سيحفظ التاريخ صورة لاركين يقف نصف عار، بسروال اسود، على رجل عراقي، ممدد على الرصيف، وتحته بقعة سوداء، من الدم والبول والخوف.

 

الجندي الاشقر ممسكا بعصا، يدخلها، بكامل الإدراك والجدية والحقد، في عين العراقي، في أنفه، في فمه، في أذنه.. في أي ثقب تدخل منه عصا تنتهك الجسد والكرامة والانسانية.

 

تذكرته. تركت صورته تلك في داخلي شرخاً لا يزول. أستعيده مثل الكابوس في «مواضيع ذات صالة». تستدعيه ذاكرتي، كلما واجهتني صور جديدة عن تعذيب تحت سطوة البندقية. كنت، وعلى فترات متقطعة، قد نشرت مقالات عدة عن تعذيب «جنود الملكية» للمدنيين العراقيين.

 

وتابعت التحقيقات والمحاكمات الهزلية، التي تلت بين الفترة من ‬2008 وحتى العام الفائت، والتي أنصفت، في النهاية، المجرم، وصمّت الآذان عن صرخة الضحايا، أو من بقي منهم على قيد الحياة.

 

وأصابتني كآبة، نهاية ديسمبر الماضي، حين قرأت خبر خسارة مجموعة من المدنيين العراقيين، دعوى قضائية أمام المحكمة العليا في لندن، لفتح تحقيق علني جديد حول تعرضهم للتعذيب والمعاملة الوحشية، من الجنود والمحققين البريطانيين في العراق.

 

تذكرت كل ذلك وانا أحدق قبل أيام في شاشة بي بي سي. كان جندي الأمن يتنطط على ظهور المعتقلين المقيدة أيديهم وراء ظهورهم، كما يقفز طفل على تلك الأرضية المطاطية التي نجدها في ساحات الألعاب، فيرتد الى الأعلى، بقوة الدفع، فرحاً مبتهجا.

 

عبارة «ولاد الكلب» طنّت في أذني، استخدمها لكي يضفي مشروعية على فعلته.

 

قلت: هل دارين استخدم العبارة ذاتها؟ ربما قال: «أولاد الحقراء». هل يتذكر اليوم ما قاله، وودت لو اسأله، بحثت عنه فوجدته ميتاً في مزبلة التاريخ.. مصير ينتظر، متلهفاً، زميله في الوحشية.. دارين العربي!