لا أرحل، لكن أغيّر المكان. ابتداء من الغد، لن يجد القارئ هذه المقالة في مكانها، اذ ترتحل من صفحات ملحق «5 الحواس» إلى الصفحات الداخلية لـ«البيان». الملحق بدوره ارتحل، ذاب في الجريدة، .

 

في جلباب الأم، استطال، صفحاته باتت بالحجم الطبيعي للصحيفة، لكن يبقى نابضاً بأجواء الفنون والمنوعات التي تعكس حياة الإبداع والمبدعين في المدينة والدولة، وعواصم العرب والعالم.

 

هذه، إذاً، مقالة أخيرة، في المكان الذي اعتاد القارئ على تصفحه على مدى عشرة شهور ماضية. في هذه اللحظة التي أجلس فيها في مقهى في «مول ابن بطوطة»، أفكر أن استعادة معنى الارتحال والمغامرة، يبدو أمراً لائقاً.

 

فلا حياة من دون مغامرة، ولا مغامرة من دون ارتحال، ولا ارتحال من دون فضول، ولا فضول من دون وعي.

 

وهذا كله ما حرصت في الشهور القليلة الماضية، على ان أضمنه مقالاتي. أصبت أحياناً، ولم أوفق، ربما، في أحيان أخرى. حصلت على رسائل كثيرة من القراء، احتفظ بها في «فولدر» خاص.

 

كما يحتفظ عجوز بأغراض معتقة، أو سيدة بجواهرها. لكنها ليست، كلها، رسائل «براقة». فيها من الشكر والامتنان الكثير، وفيها من العتب، بل الاحتجاج والتهجم، الكثير، أيضاً

 

. أتذكر قارئة قالت إن «الحاسة السادسة» باتت جزءاً من طقوس صباحها، مع فنجان القهوة. أخرى أرسلت في فبراير الماضي معاتبة على ما اعتبرته «اختفاء غير مبرر»، .

 

حيث شغلتني السينما بتغطية سحرها في مهرجان برلين السينمائي الدولي، فتوقفت الزاوية عشرة أيام. عاتبتني لأن «العتب على قدر المحبة».

 

تلك العبارة ذاتها استخدمتها قارئة أخرى اعتبرت انني «لا أتعاطف مع نظرية المؤامرة التي تتعرض لها بلادها»، فأرسلت تسألني أن أعيد التفكير.

 

فيما انتهجته من «موقف» قرأته في ثنايا عدد من المقالات مؤخراً، معلنة انها، ومن قبيل الاحتجاج، ستتوقف عن القراءة ريثما أعود إلى رشدي أو تعود هي الى اشتياقها. كما انني نلت نصيبي من الشتائم في تعليقات «الويب سايت» أو رسائل البريد الالكتروني، .

 

واستاء قراء من كتابات مست لديهم «الدوغم» المتجذر حول قضية ما أو شخص ما. تلك «العقيدة» الفكرية التي لم يرغبوا لأحد ان يهزها، وساءهم انني فعلت ذلك

 

. وقال لي أحدهم «أصمت والته بشؤونك الخاصة». لكنها بالمقابل، المقالات ذاتها التي لاقت استحسان كثير من المدونين، بما فيهم «الفيسبوكيين» و«التويتريين» إن جاز التعبير. هكذا هي الكتابة.

 

وتحديداً الانطباعية منها، مفتوحة على كل القراءات، تماماً كلوحة تشكيل، أو لقطة سينمائية لمخرج تجريبي (نتابعهم هذه الأيام كثيراً في مهرجان الخليج السينمائي بدبي) أو كما الجمال والحب، لهما قراءات نسبية

 

. ولا أنكر انني أحب السخرية، وأميل اليها، وأجد في لغة الضاد مرتعاً للعب والترميز وجملة للسطور وأخرى لخلفها، .

 

وأعتقد أن اليوم الذي لا سخرية فيه هو يوم باهت، كما يقول شارلي شابلن، لكنني حرصت دوماً على أن اسخر فلا أهين، وأحتج فلا أنفّر، وأستشف فلا أبالغ، وأدعو، دوماً وأبداً، إلى الحب والخير والجمال.

 

وأستمر في دعوتي، لكن، ومن الغد، في مكان آخر، على ورق الجريدة، وفي المكان ذاته، في فضائها الالكتروني.