استطلاع رأي الشعب الأميركي عن الثورات العربية يسجل تعاطف «أبناء الامبراطورية» مع حركات التحرر على الجانب الآخر من العالم، «حتى لو أدت الى نتائج تتعارض مع المصالح الأميركية». شكرا. تغيرت حياتي. بات نومي بلا كوابيس، وخزانتي ملأى بالزاد والزواد، وجاري لا يتلصص على مكالماتي الهاتفية ويكتب التقارير، و«ناطور» المبنى لن يظهر في النهاية أنه تابع لوزارة الداخلية ويخفي «كلاشنكوف» تحت فرشته الاسفنجية الى جانب ما نتصدق به عليه من ملابس قديمة وأطباق طعام بائت. ولن تأتي تلك اللحظة التي سيخرج فيها الرشاش من تحت مرقده ويطلق الرصاص على سكان المبنى بوصفهم «خونة» و«جرذان».

شكرا. فالرأي العام الأميركي، وتعاطفه، خطوة على الطريق الصحيح، المؤدي الى فلسطين، حيث أطفال يتمددن كل يوم، على ألواح الخشب، وابتسامة الملائكة على شفاههم، وعصبة الإيمان على جباههم، في طريقهم الى المثوى الأخير، من دون يد أو رجل، أو مع ثقب على الجبين أو في القلب. هؤلاء، لا تسجّل استطلاعات الرأي الأميركية أحوالهم وأقدارهم، فهم من فلسطين، حيث «الخطر» يهدد شعب اسرائيل الذي «يدافع عن نفسه».

شكرا، فأبناء «روما» الجديدة، يشبكون أيديهم ويرفعونها علامة التضامن «أن استمروا»، فيما هم يرمون في صناديق انتخاباتهم الديمقراطية شهادات نعينا، بانتخاب رؤساء وقادة يشنون حروبهم على بغداد وفلسطين والسودان، ويرسمون كل يوم خرائط التقسيم والتفتيت والاستعمار بوجوهه المختلفة. «أخواننا» المتحدرون من فرق ابادة الشعوب الأصلية، يحيون فينا روح الشجاعة في الثورة ضد الحكم الجائر والفاسد، وهم من وقفوا سابقا وراء مصالح حكامهم في نهب خيرات بلادنا ومقدراتها، من النفط الى قطع الآثار في المتاحف. اليوم، يقولون أنهم غير مكترثين لتلك المصالح، فهل أفاقوا من سباتهم وجهلهم، أم أنهم شبعوا، أم ضجروا؟

لكن إكرام الضيف واجب، وهم، والحالة هذه، ضيوف على انسانيتنا التي كانت مهدورة وبدأت تلملم نفسها. ومن اكرام الضيف معاونته ان احتاج، لذلك، حالما نفرغ من «تنظيف البيت الداخلي»، سنبحر في الأطلنطي، في سفينة عملاقة، ونصدر روح الثورة الى الولايات المتحدة الأميركية، حيث يسرح ثلاثة ملايين مشرد وأكثر، ويعيش 35 مليونا آخرون تحت خط الفقر، ويموت الأطفال مستعبدين في نظام المزارع الاقطاعي العنصري الذي لم يلغ الى اليوم، وتغتصب النساء أكثر من بريطانيا بـ13 مرة ومن اليابان المنكوبة بعشرين مرة.

وحيث يقف 36 مليون أميركي في طوابير «كوبونات» الاعانة الغذائية، وتحرق الأسر جثث أبنائها في لوس أنجلوس لأنها لا تقوى على تكاليف الجنازة، ويتجمد مئات الآلاف في كاليفورنيا بلا غاز ولا كهرباء، ويتم القبض على مدونين على «تويتر» بسبب اعتراضهم على سياسات المجتمعين في بنسلفانيا تحت مظلة (قمة العشرين)، أو المتظاهرين قبالة البيت الأبيض تذكيرا باحتلال العراق. وحيث يتم تعيين ضباط سابقين في الجيش على رأس مؤسسات اعلامية هدفها شن الحملات المزورة ضد العرب وكوبا وروسيا وكل من لا يخدم أجندة السياسات الأميركية. وحيث يتم التنصت على مكالمات الناس وتفقد بريدهم وسجلاتهم الصحية من قبل وكالة الأمن القومي. ألا يستحق أبناء الامبراطورية البائسين أن نصدر لهم روح ثوراتنا الأبية؟