استوقفتني عبارة للمفكر نعوم شومسكي أدلى بها مؤخراً في مقابلة أجراها معه الموقع الإخباري الكندي «فاريستي». سئل: لماذا كرهت شعوب عربية قادتها؟. قال: لأنهم ظلموا، وزجوا الشعوب في عوالم من ظلمات، وأردف أن «الطغاة لا تشرق شمسهم»، مهما تمادوا في غيهم وطغيانهم. ومهما ادعى الرئيس المصري السابق أنه «مظلوم» وأنه «نظيف»، فإن الواقع الذي سيصبح تاريخاً، سيقول العكس. لقد انتفضت الشعوب على الظلمات، وتدفقت إلى الميادين حاملة مشاعلها، لكي تبحث عن كهوف الخفافيش فتطهرها، وأعشاش العناكب فتقطعها، وتفتح نوافذ للشمس لكي تشرق على البكتيريا العائمة على مستنقعات الركود الفاسدة، فتقتلها وتذيبها إلى الأبد.

لن يصلح «عطار» تسجيل صوتي في دقائق، ما أفسده «دهر» كامل من الفساد والتخلي عن المسؤوليات في إثراء مقدرات الشعوب وتنميتها، بل التآمر على الشعوب وإفقارها وتجويعها، وصولاً إلى تخوينها لو ثارت، وتجريدها من إنسانيتها، فتضرب وتذل وتغتصب، لو رفعت صوتها مطالبة بحق العيش الكريم. وصولاً إلى قتلها، بدم بارد، ورصاص بارد، وقلب بارد، كما ألواح الرخام الخرساء.

انتفضت الشعوب، التي لطالما غرقت في بحور الظلام، واستعادت نور بصرها وبصيرتها، فتوهجت الدنيا والفضاءات، وغطى الألق على كل الصيحات المستنكرة والتصريحات الكاذبة والحيل المستعطفة، والتضليل والتطويق والتمويه. لقد اصطدم كل ذلك بالواقع. الحقيقة التي لم يعد بالإمكان التغاضي عنها: الدم. ثمة دماء سالت، سفكت، وشربت منها شرايين الأرض. والأرض لم تعد قادرة على اختزان السائل الأحمر الذي لطالما بذله الشرفاء فيها.

الأرض انتفضت، وتكلمت «بالعربي»، وأزهرت نوراً ونوّاراً، ملأت المساحات ألواناً وفرحاً. ولن تسمح الأرض بأن تبقى خزان دماء الأنقياء. ستفور لتلطخ أثواب المجرمين، وجباههم بوصمات العار. هؤلاء، المتجبرين الذين لطالما لعبوا دور الجلاد، مستمرين بوقاحتهم ويطالبون بمحاكمة الضحية واللجوء الى «القانون» لأخذ «حقوقهم». الجلاد قتل ضحيته، ثم أعلن أنه سيحاكمها باسم «القانون». هل سمعتم عن نكتة تضاهي هذه السذاجة؟!

ثمة نكات كثيرة ربما، تضاهيها، بالفعل. تلك التي تتحدث عن المؤامرات الخارجية و«الأجندات». وأخرى التي تتبدى في شرائط مصورة تفتقر الى أدنى درجات الابتكار والإبداع في توليف «دراما الكذبة». ونكات أخرى عن الملك الذي ستخرج شعوب إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية.. وكواكب المريخ وزحل وعطارد، إن وجد عليها «شعوب»، من أجل الدفاع عنه في وجه هجوم «الجرذان». وقائد، حين يخطب في جمهوره الخائف أو المأجور، يحمل قلماً. لماذا يحمل القلم ويشيح به كلما خطب؟، بالله عليكم، هل لدى أحد منكم تعليق على هذه النكتة؟ هل يريد أن يوحي بأنه مثقف وعقلاني؟ كيف تستوي الديكتاتورية وقمع الشعوب مع الثقافة؟ وكيف تترادف السرقة والنهب والتآمر على أبناء الجلدة والعم والخال مع العقلانية؟ أليست نكتة.. ساذجة؟

لطالما كانوا محترفي المراوغة والتزييف، ولطالما ربحوا من الأوهام والأساطير، لكن متى يقتنعون بأن الزمن لم يعد زمنهم، وأن الحكاية لم تعد حكايتهم، وأن «الشمس لم تعد تشرق على الطغاة»؟