كان ضوء الصبح قد بدأ يخرج من قمقمه الكحلي كسولاً متثائباً كمارد لا يريد الخروج في هذا النهار. هو، لم ينم في الأساس. أمضى ليلته متكئاً على كنبته قرب نافذة الغرفة المفتوحة على قمر وشجرة ياسمين. فكرا بالذين ذهبوا. لم يركبوا قطاراً، ولم ينزحوا إلى المدينة، أو يغادروا الوطن إلى بلاد الصقيع والضباب، كما فعل جيرانه منذ سنوات. لم يتركوا رسالة له تنبئه بتاريخ عودتهم، ولو فعلوا، لما اكتأب وجفا النوم مرقده طوال الليل. عرف من سمية، البنت التي تخبز «المرقوق» في الفرن عند مفترق الشارع، شمال الحيّ، أنهم خرجوا إلى تظاهرات سلمية. قالت له، حين رأته أمس يدور على الدكاكين، ملتاعاً حيران، يسأل هذا وذاك عن أبنائه الثلاثة، شبانه، سند أيامه، وكل ما حصله من هذه الحياة الدنيا.. قالت: يا أبا محمد، كانوا خمسة، الشبان ومعهم موظف ومدرّسة، اشتروا «مناقيش» الزعتر، وقالوا إنهم ذاهبين في تظاهرة سلمية بعد الصلاة.

حدثت قصص مروعة بعد صلاة الجمعة أمس. أتى مسلحون من رجال الأمن إلى مدخل الجامع ورموا قنابل مسيلة للدموع. ارتمى سعيد الكهل على ظهره غير قادر على التنفس. كانت صيحات التكبير والشهادة تعلو حتى السماء. غُدر المصلون. لم يكونوا بعد قد فرغوا من الابتهالات التي تلت الخطبة والصلاة حتى سيطرت على الفضاء رائحة كريهة تشبه تلك التي كان يشمها صغيراً حين يمر مع والده في زقاق «الدباغين»، لكنها أكثر كثافة ونفاذاً، فيها من الكبريت ورائحة عوادم السيارات وجيف الحيوانات الميتة. في لحظات، طغت هذه الرائحة على عطر الياسمين والبخور وتلك التي تفوح من رقاب المصلين الطاهرين. واشتد الهرج والمرج، وسمع صوت طلقات رصاص، ثم اشتد الصوت وتحول إلى ما يشبه الوابل، وصرخ أحدهم: «لا إله إلا الله، الله المنجي، الله أكبر من الظالمين، الله أكبر من السفاحين». لم يكن هو في الجامع آنذاك، كان ضعف العظام قد أقعده طوال الأسبوع في السرير، لكنه سمع الرواية من أبناء الحي الذين توافدوا إلى تحت شبّاكه، يحكون ويصفون، فيسألهم عن أولاده، وهذا يجيبه وذاك لا يتذكر، قبل أن يقطعوا عنق زهرة ياسمين نضرة، وينصرفوا. وهو، كشجرة السؤال الذابلة يبقى معلقا على حافة النافذة.

لولا السنين، لولا سني عمره الثمانين، لكان ذهب مهرولاً عند رئيس البلدية، أو المختار، أو حتى المحافظ. لكن المسافة، من حيث يقطن الى دار الحكومة، بدت، هذا الصباح، بعيدة، كبعد الشمس عن الأرض، والنور عن الظلام، والخير عن الشر. كل ما يقوى على فعلته هو أن يجر نفسه إلى الجامع، يتوضأ ويصلي الفجر، داعياً ربه أن يفك كربته ويعيد اليه أبناءه.

وصل إلى الجامع. كان خاوياً على غير عادته. لكن صوت الآذان يشق الصمت: «حي على الصلاة.. حي على الفلاح». قطع الباحة الخارجية، ووصل إلى مدخل حمامات الوضوء مندهشاً من الصمت وغياب المصلين. فتح الصنبور. لم يقطر ماء. قطر دماء. دماء يعرفها. عزيزة قريبة. دماء أبنائه. دماءه. تراجع مذعوراً. هلل، كبّر، صرخ. صوته شق السماء، روحه هامت فوق رأسه، قلبه احترق.