سأكرر المقولة التي وصف بها عادل إمام دوماً. أنه فنان موهوب لكن تنقصه الثقافة، وهي معادلة لم تكن يوماً محرجة في العالم العربي، حيث وظيفة الفنان هي الترفيه، بغض النظر عن القيمة. وهي الثقافة ذاتها المعطوبة على مدى المائة سنة الماضية، والتي جعلت من التهريج والأفيهات المستندة على الإيحاء الجنسي أو الشعارات السياسية التنفيسية وصفة ناجحة لتحويل ممثل مثابر إلى «زعيم».

وكأن العالم العربي ينقصه مزيداً من الزعماء، الذين يطلون علينا من شاشات التلفاز لكي يلقنوننا دروساً في الديمقراطية وآداب التعامل مع الرؤساء والحفاظ على صورتنا الفردية و«القومية» والوصفة المثلى للمقاومة وحب العراق وفلسطين، ثم و«عندما يأتي المساء»، على رأي محمد عبدالوهاب، ويتوقف البث، تعود الأمور الى طبيعتها، التآمرية غالباً، على مقدرات الشعوب وتطلعاتها لحياة لا ذل فيها ولا قمع ولا جوع.

وبالرجوع إلى تسجيلات من مقابلات لعادل إمام متوافرة على «يوتيوب» (حمداً لله على هذه الوسيلة التي توثق بالصوت والصورة والتاريخ) بوسعنا أن نحلل تصريحات سمتها الرئيسية أنها: أولاً، غارقة في الجهل ومجافية للثقافة. فالرجل الذي تلهى طوال أكثر من ستة عقود من حياته بخشبة المسرح وكاميرات السينما وبريق النجومية ودائرة المصالح العليا التي تجمع زعماء السياسة بزعماء الاقتصاد بزعماء الفن، أكاد أجزم أنه لم يقرأ يوماً كتاباً في الفلسفة أو الفكر أو علم الجمال، ولا حتى فن التمثيل.

يظهر ذلك بوضوح من خلال إجاباته عن أسئلة من المفترض انها تستدعي أفكاراً عميقة وتأملات في الصميم. انه، وتحت ستارة أنه «ابن بلد» يصف المعارضة في مصر، سبتمبر الماضي، بأنها «هبلة وحملوها طبلة»، في برنامج «واحد من الناس» على «دريم». وهو المستاء من «التطاول» على مقام رئيس الجمهورية الأسبق حسني مبارك، كان يقول بانفعال:

«عمل ايه مبارك؟ علشان يستاهل ده كله؟». طبعاً، كان بوسع الفنان، لو كان صادقاً فعلاً في سؤاله الاستنكاري، ان يحصل على إجابة بنقرة زر على الانترنت، أو عبر النزول إلى أقرب مقهى شعبي من بيته، ومخالطة الناس العاديين والاستماع إلى حكاياتهم، طالما هو يعتبر نفسه «واحداً من الناس» و«ابن بلد».

ثانياً، نصل إلى قناعة بأن الرجل عاطفي جداً ولا يستطيع أن يتحكم بانفعالاته، وهي سمة سيئة حين تكون شخصية عامة. فها هو تارة يطالب «ميليشيات» المقاومة الفلسطينية بأن يكون لها «تكتيك» آخر في حربها مع إسرائيل، من دون أن يبدو قادراً على تحديد هذا «التكتيك» الذي يقترحه، في مواجهة أبشع عملية حصار وتجويع وقتل وتآمر على شعب عرفها التاريخ.

مؤكداً في الوقت ذاته على «قدسية حرب اكتوبر» ورفضه المزايدة على «تكتيكها»، وعلى كون إسرائيل «بلا ضمير وجيشها قاس». وهو تارة أخرى يصف المتظاهرين في ميدان التحرير، في بداية اشتداد ثورة 25 يناير التي غيرت وجه مصر والمنطقة، بأنهم عبارة عن عبثيين، فيتصدر قوائم العار بعد انتصار الثورة، كونه لم يلتزم الصمت. كان عليه ولا يزال أن يصمت، فإن لم تعرف فلماذا تتكلم؟ ويقول المثل الشعبي: «اللي ما معوش فهم كفاية، ما يلزموش كلام وتصريحات»!