كأنك دب من العصور الغابرة. من عشرة آلاف سنة أو أكثر. سيّد الغابة. صنفك في الدرجة الأولى، رعبك في الدرجة الأولى، قسوتك في الدرجة الأولى. كأنك الدب ذو الوجه القصير. تأكلنا، لحمنا، عظمنا، النخاع فيه، الدماء في عروقه. لك من قوة العضة ما يكفي لكي يشل، ومن رمية الكف ما يكفي لكي يجعلنا نطير. ندافع عن لحمنا في مواجهتك، ندافع عن دمائنا المسفوكة، فتأتي من بعيد، تشمنا، تقف على رجليك، كمارد ترعبنا، فنهرب تاركين قتلانا في الساحات.

كدبّ منقرض أنت، لن يبق من نسلك إلا ذكرى عظام في المتحف، سيأتي يوم يفغر الأطفال أفواههم وهم يتلقون الشرح عن ويلات «جرائمك» ضد الكائنات الأخرى، لكنهم سينصرفون من المتحف وينسونك بعد قليل، تشغلهم كرة أو حلوى أو طائرة ملونة، فينسون ذكراك. لا أحد سيذكرك صيادا ولا فارسا ولا مغوارا ولا مخلصا. ستكون دوما سارق الجثث البائس.

وحين تسرق جثثنا، وتتغذى عليها، يتكدس البروتين في لحمك. تعدو أسرع، تثب أفضل، تخيف أكثر، تشم أوضح، وتبحث عن جثة جديدة. هذه هي دورة حياتك الطبيعية التي ضمنت لك الاستمرار، ومكنتك من أن تعيش فوق رؤوسنا كل تلك السنوات. لا اعرف كم هي؟ عشرة، مائة، ألف، مليون.. فأنت من عمر التوحش والقسوة، وروحك عتيقة من زمن عصور ما قبل التاريخ البائدة.

لكننا نتمدن، نتحضر، نتعلم الصيد أيضا. رماحنا باتت مسنونة أكثر وشجاعتنا أيضا. وعرفنا من اين تؤكل الكتف، ومن أين «ينتش» الطغاة. وعرفنا نقاط الضعف في جسدك المخيف، وسنصوب السهام فيها، فتموت. وعرفنا كيف تهب العواصف، وكيف نحمي أنفسنا، فنموت أقل، و«نتجيّف» اقل، وكيف نحب الحياة أكثر، ونعيشها أكثر، وتبحث عن جثثنا فلا تجدها، وتقطع الجبال والسهوب والوديان فلا تجدها، وتركض على حوافرك، ويجف اللعاب على أنيابك، وتدور على نفسك، وتخور عجزا وجوعا، وتلجأ الى شجرة، فتعف عنك وتنبت شوكا في حلقك، وتهرع الى طير، فينقر عينك، وتلحق بزرافة فتصفع أنفك.. وتدور على نفسك، وتموت، وتنقرض.

تنقرض وتتحول الى صورة مخيفة في كتاب التاريخ، وهيكل عظمي مخيف في المتحف، وترنيمة مخيفة في أغنية رثاء، وحكاية مخيفة في مرويات الاساطير، ولا يترحم عليك أحد، ولا ترمى على ضريحك قرنفلة، ولا يرش الماء، و«تدعو عليك» امهات العالم في المساءات والصباحات، ويقول الراوي في حكايته في المقهى الشعبي: وكان خسيسا، مجرما، ولم يكن فارسا ولا صيادا، كان سارق جثث نذل.

فيا سارق الجثث، نحن لن نقتلك، الطبيعة ستقتلك، وتنقرض، كما حدث ذات يوم مع دب مفترس قصير الوجه.