لدى كورنيش أبوظبي في ذاكرتي شمس وصفاء وضحك الأصدقاء. عدو وآفاق وتجمعات ما بعد الأمسيات الموسيقية في مسرحي ئي تقصفنا بالخيال والأحاسيس، من كل حدب وصوب . في لحظة تبديل الحافلات، لا تنتبه الى شمس تغرب تاركة وشاحاً بهياً على المتريضين المسائيين، والباعة المتجولين، وطفلة تركب العجلة وعلى رأسها خوذة ملونة كما عالم «باربي»، ومراهق لايزال على مزلاجه الذي جربه أول مرة في ساحة «ترافيلغير» في لندن.

لكن «موسيقى الشعوب» صنعت للكورنيش ذاكرة جديدة. هذا المهرجان المسمى «ووماد»، الجارية فعالياته في أبوظبي، ويعرفه مئات الآلاف من عشاق الموسيقى في أكثر من 27 دولة حول العالم، يحوّل شاطئ أبوظبي الى كرنفال صاخب ساحر، على مدى ثلاثة أيام كل عام. فرق الموسيقى البديلة، البعيدة عن «البوب» التجار.

والتي تبحث عنها في العادة على «يوتيوب»، لكي تشاهد تسجيلات لحفلاتها، هاهي أمامك، وجها لوجه، ماثلة بحماسة أعضائها، وفنهم وجنونهم الدافق ابداعاً وفرحاً. ثمة كتاب مفتوح على المعرفة والوعي الموسيقيين، عملاق بحجم المسرحين المثبتين على الرمال، شرقا وغربا، ترتحل الحشود الى كل منهما، بين عرض وآخر. يأخذك هذا كتاب «ووماد»، الذي «وضبته» هيئة الثقافة والتراث بأبوظبي، الى عوالم غريبة لم يسبق لك أن زرتها، وربما لن يتسنى لك بعيدا عن هذا المكان.

هذه فرقة من منغوليا، من بلاد السهوب المتجمدة، يرتدي أعضاؤها زي «ديل» التقليدي، ويقدمون موسيقاهم المستندة الى اصوات الطبيعة: الهواء، الصهيل، الخرير، الحفيف.. ينصت البعض، يضحك البعض الآخر من الجمهور، يقلد أحدهم صوت الديك احتجاجا على هذا النوع من الموسيقى الذي لم يعهده من قبل، لكنه في النهاية يخضع لسحر الموسيقى.

هذا سحر يصل، وان بدرجات متفاوتة، الى قلوب الحشود، الآتين من ثقافات وشرائح وطبقات مختلفة. ثمة متذوقون للفن، موظفون، رؤساء شركات، عمال نظافة، حراس أمن، ربات بيوت، سواح، أطفال.. كلهم تحت سماء ابوظبي، وسقف الموسيقى. انها موسيقى الشعوب، منهم واليهم، وفي هذا المكان، تبدو لفظة «شعوب» مثالية التطبيق.

ومن لم يتجاوب مع موسيقى منغوليا، لابد أنه سيقفز فرحا لأهازيج فن القوالة الباكستاني. يقعد المغني على المسرح متربعا، ويبدأ بالإنشاد، فترتفع الصيحات والآهات. ثم تأتي موسيقى الراي الشمال افريقية، تتمايل الأيادي وتقفز الأبدان وتتحرك الرؤوس، كما لو أنها تميل مع عاصفة فجائية أتت من شمال افريقيا، كعاصفة الوجوه السمراء، كثورة الوجوه السمراء. يتحرك الجموع جيئة وذهابا أكثر من مرة، بين المسرحين، اللذين يبدوان كما لو كانا جهاز راديو عملاقا على الشاطئ، يبث موسيقى على موجات العالم.

موجة من السنغال، وأخرى من جامايكا، هذه من الهندوراس، وتلك من العراق، هذه من الإمارات وتلك من مصر، وثمة موجات تضربك من بريطانيا وفرنسا ودول أخرى. إنها موجات عملاقة، تطربك ولا تضربك، في أبوظبي. من بعيد موج يرقص. هذا موج البحر يرقص على إيقاع موجات الموسيقى.