لا يخيب أملكم في «فيس بوك». فلا تظنن أنه في الأساس «مصنع الثورات». إنه ساحة سهلة وسرية (ليس بعد اليوم) يجتمع فيها الثوار. لكنه ليس «مخلصا» ولا ملاكا هبط على دنيا العرب من السماء، لكي يرفع الظلم ويكسر القيود، ومهما ادعى من ورائه (اذا كنا قادرين على تعيينهم بدقة) إنه ملاذ الحرية وشكل المجتمع الانساني المثالي، فإن ما حصل الأسبوع الماضي، حول رضوخه لـ«مخاوف» الحكومة الاسرائيلية، وقيام إدارته بحجب صفحات تحرض على انتفاضة في فلسطين.. يثبت أنه ليس «الجمهورية الفاضلة». إنه، كغيره من وسائط الاعلام العالمية الجماهيرية، خاضع الى سيطرة لوبي يدافع عن مصالح اسرائيل، وينشر «البروباغندا الغوبلزية» (نسبة الى غوبلز رفيق هتلر مضطهد اليهود) في أنحاء العالم.

وليس من قبيل المفاجأة أن يخضع «فيبسوك». فحين يتعلق الأمر بـ«أمن» اسرائيل، يخضع الجميع. اعتدنا هذا الأمر، ورفع التوقعات، والحلم، هي ممارسة مشروعة، تحديدا لدى شباب يملأه الأمل بالتغيير، ولكن لا يجب ان تحدو بنا الى الإحباط. حجب «فيس بوك» صفحة «الانتفاضة الثالثة»، التي وصل عدد مشتركيها الى 350 الفاً في أقل من شهر، فظهرت صفحات أخرى في اللحظة ذاتها. أعيد حجبها، فانتشرت كما الفطر في اللحظة التالية. هذا هو سحر «فيسبوك» الذي قد ينقلب على الساحر، فيما لو قرر هذا الساحر، مدفوعا بالخوف من «معاداة السامية» أن يضرب بعرض الحائط كل سمعته، التي بناها عن صرح الحرية الالكتروني الذي لا يواجهه أحد. وستستمر لعبة الكر والفر بين إدارة الموقع وبين المستخدمين من الشباب العربي الذين قدرت أعدادهم الاجمالية بـأربعين مليونا.

طبعا، الإدارة هي المتحكمة، وهي التي ستفوز في النهاية، فالسوفتوير الذي يبرمج على الغاء أي صفحة تلقائيا اذا احتوت على لفظ «الانتفاضة الثالثة» لا يحتاج عمله الى عناء كبير، لكن استمرار حركة الكر والفر تلك سيكون مفيدا من أجل خلق مزيد من «الطنين» حول مصداقية هذا الوسيط الاعلامي، الذي بات مالىء الدنيا وشاغل الناس.

ولن يؤدي حجب الصفحات إلى حجب أي انتفاضة متوقع تفجرها في فلسطين قريبا، فالأسباب الموجبة لهذا التحرك، ماثلة بقوة، في ظل تنامي احساس الذل والعجز، لدى شريحة الشباب الفلسطيني بسبب سياسات الاحتلال الماضية بالقتل والتشريد وسلب البيوت والأراضي. فحين تحاصر مليون وثمانمائة الف بشري في سجن كبير اسمه غزة، مانعا الرزق والبناء والدواء، مع شن حروب دامية، بين الحين والآخر، عليك أن تتوقع في نهاية المطاف انتفاضة.

وحين تخطط لإقامة 1608 وحدات استيطانية جديدة، في جنوب القدس، في ذات الوقت الذي يضع فيه العالم «فيتو» على سياسات الاستيطان، عليك أن تتوقع انتفاضة. وحين تقتل كل يوم الأطفال والشباب، وتنحر المواشي والخراف، وتحرق الكروم والزيتون، عيك أن تنتظر الانتفاضة. وحين تخترع القوانين العنصرية التي من شأنها أن تسهّل عملية ترحيل جديدة لمئات الآلاف من الفلسطينيين من أصحاب البلاد، وتعلن في الصحف عن مزادات علنية على بيوتهم، وهم يقطنون فيها، فأنت تستحق انتفاضة. وهي آتية لا محالة، بـ«فيس بوك» أو بدونه!