إلى حمدي الإسكندراني وقال صديقي: «اليوم جمعة حماية الثورة في مصر، والاعتصام للوحدة في تونس، وجمعة الشهداء في اليمن، وجمعة الكرامة في سوريا.. شامم روايح حرية، حي على الحياة».

وحصدت دعوته، على صفحته على «فيس بوك»، حتى لحظة كتابة هذه السطور، 13 «لايك» بما فيها أنا، و14 «كومنت» لم أشارك فيها وارتأيت أن أعلق هنا.

وحمدي كما أنا وغيرنا من ملايين الشباب في العالم العربي، باتوا يعرفون أن يوم الجمعة المبارك المقدس، الذي تغتسل فيه الروح وترتقي القلوب، وتتهدج الأدعية، وتفك الصدور أقفال خزائنها المقفلة على الحزن واليأس.. يوم الجمعة بات يوماً لعناوين الحرية. وستسجل قواميس الأيام فيما بعد معاني وأوصافاً لكلمة «جمعة» في الإرث اللغوي العربي الغني، ويقول المعجم: إن العرب سجلت لها معاني كثيرة، جُلها يدور حول الحرية والعزة، ويذكر «اكسفورد» العتيد أنه «يوم من أيام الأسبوع، له بعد ديني في الثقافة الإسلامية، وتحول في عام 2011 إلى شعار للثورات على الأنظمة المستبدة وجهود الحفاظ على مكتسبات تلك الثورات، وقد سجل له أكثر من 20 عنوانا في تلك الفترة»، ويذكر «لا روس» الفرنسي أنه اليوم الذي «تذبح فيه رقاب الداعين إلى الحرية، وتطلق على صدورهم النيران، في مناطق بالعالم العربي، ولم يصدر عن الممثلة الفرنسية بريجيت باردو أي احتجاج على نحر الأحرار، على غرار احتجاجات سابقة متعلقة بنحر الخراف في الاحتفالات، بما يعرف لدى المسلمين بعيد الأضحى».

وذات يوم، كان الطفل ينتظر نهار الجمعة لكي يصحب أباه الى الجامع، فيشعر بهبوب النسيم البارد على وجهه في «صحن» الجامع، ويظن أن هذا أجمل إحساس في الدنيا، خصوصاً إذا ترافق مع رؤية حمام أبيض يطير محلقاً فوق القبة. وكان ماء الوضوء رقراقاً بارداً عذباً كما هي البراءة، وكان طعم حلوى جوز الهند التي تباع للمصلين الخارجين حلاوة وحلوا وحلوانا، كمصري عتيق وحر، فـ«اللي بنى، بنى مصر، كان في الأصل حلواني، علشان كدة مصر يا ولاد، مصر يا ولاد، حلوة الحلوين»، وكان المسلسل يوم الجمعة لطيفاً وشيقاً يبهر الطفل، ويرمي إلى عقله الصغير وفكره الصغير بخيالات واسعة. وكان الجمعة حرية وانعتاقا من نظام المدرسة، وجهل آلية التلقين التي تحرص على حشو الدماغ بكمية محصول الأرز في دولة الصين، ولا توسّع في سير الاستعمار وثورات قدامى الأحرار. وكان الجمعة تحرراً من يوميات الجامعة المثقلة بالأيدلوجيات، وصراع الانتخابات في مجلس الطلاب، وشاب يخجل من قميصه الملون في كلية يرتدي طلابها الأسود أكثر من أي شيء آخر، وهو ما لا يستطيع إلا أن يحترمه، فالأسود لهم علامة للحرية، لكنه لطالما فضل الألوان. وكان الجمعة موعداً مع الغربة في الرحيل الأول، والاكتشاف في الارتحال الثاني، والسكينة في الاستقرار الأخير. وكان الجمعة يوم المكالمة الهاتفية إلى الأهل في الوطن الصغير والاطمئنان على كلية الأم، وجلد الأب، وحكايات الإخوة.

وصار الجمعة عناوين الحرية، فحي على الصلاة، وحي على الحرية.